في خطوة وُصفت بالضرورية لتفادي أي شبهة لتضارب المصالح، أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل عزمه مغادرة رئاسة أحد الأندية الرياضية، مبرراً قراره بمسؤوليته الحكومية المباشرة عن قطاع الرياضة. وبينما يبدو هذا القرار ظاهرياً خطوة منطقية لإنهاء الجدل حول الجمع بين المسؤولية التنفيذية وتدبير الشأن الرياضي، فإنه يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول كواليس ودوافع تمويل مشاريع الأندية من المال العام.
خطوة لتفادي الحرج.. أم هروب إلى الأمام؟
لا شك أن إعلان الانسحاب من رئاسة النادي يُقرأ سياسياً وأخلاقياً باعتباره محاصرة للحرج الناجم عن تداخل الصفات وتعارض المصالح. غير أن مغادرة كرسي الرئاسة لا تعني البتة إسقاط الملف من واجهة النقاش العمومي، سيما وأن النادي المعني يحظى بمشروع ضخم لتمويل أكاديميته الرياضية بغلاف مالي يفوق 25 مليون درهم من ميزانية الدولة.
هذا الوضع يضع الرأي العام أمام تساؤل جوهري: كيف وصل مشروع أكاديمية نادٍ معين بالذات إلى دائرة الاستثمار العمومي، وما هي المعايير الدقيقة التي جعلته يحظى بهذا الدعم المالي السخي؟
مفارقات توزيع الدعم الرياضي
تتجسد مفارقة هذا التمويل بشكل صارخ عند مقارنته بالواقع الرياضي العام؛ فبينما تحظى مشاريع بعض الأندية بهذا الغلاف المالي المهم، تعاني العديد من الجمعيات والأندية التاريخية – ذات الارتباط الوثيق بالذاكرة الرياضية والمساهمة الفعالة في التكوين – من وضعية مأزومة ومشاكل بنيوية ومالية متعددة، دون أن تحظى بمبادرات استثمارية مماثلة تعيد الاعتبار لبنياتها التحتية وبرامجها التكوينية.
هذا التفاوت الصارخ يغذي مشاعر عدم المساواة، ويضع الجهات الوصية في قفص الاتهام بخصوص معايير الدعم وتوجيه الاستثمارات العمومية نحو مؤسسات رياضية بعينها دون غيرها.
أسئلة الشفافية وتكافؤ الفرص
أمام هذا المشهد، تبرز حزمة من الأسئلة المشروعة التي تنتظر أجوبة شافية وشفافة من لدن الحكومات والجهات المختصة:
- كيف انتقل المشروع؟ ما هي الكيفية الإدارية والمسطرية التي انتقل بها مشروع أكاديمية نادٍ يترأسه مسؤول في الحكومة إلى خانة المشاريع المستفيدة من الدعم والاستثمار العمومي؟
- من المقترح والقرار؟ من اقترح هذا التمويل، ومن اتخذ القرار الفعلي بإدراجه في ميزانية الدولة؟ وما هي المعايير المعتمدة لتحديد غلافه المالي؟
- طبيعة العلاقة: هل ستتحول هذه المنشآت الرياضية إلى مرافق ذات منفعة عامة ومفتوحة للجميع، أم أنها ستظل حبيسة مصالح النادي ومسيريه؟
- تكافؤ الفرص: هل تخضع كافة الأندية الرياضية للمعايير والمساطر نفسها في الولوج إلى التمويل العمومي؟ وهل كانت طريق هذا الدعم لتكون باليسر والسرعة نفسيهما لو تعلق الأمر بنادٍ آخر لا يوجد على رأسه مسؤول حكومي؟
الخلاصة: الاستثمار نعم، ولكن بشفافية
إن الاعتراض المطروح ليس موجهاً البتة ضد الاستثمار في التكوين الرياضي، ولا ضد إحداث أكاديميات كروية من شأنها الرفع من مستوى البنية التحتية للرياضة الوطنية؛ بل إن صلب الإشكال يكمن في ضرورة صون قيم الشفافية، والإنصاف، وتكافؤ الفرص، لئلا يتحول المال العام إلى امتياز تفاضلي متاح لمن يمتلكون النفوذ والموقع بدل أن يخضع لمعايير معلنة وعادلة.
خلاصة القول، إن مغادرة المسؤول الحكومي لكرسي الرئاسة قد تُنهي إشكالية ازدواجية الصفة، لكنها عاجزة عن الإجابة عن السؤال المركزي الذي بات يؤرق الشارع الرياضي: لماذا يُخصص هذا التمويل لنادٍ محدد دون غيره، وبأي معايير؟



