محجوب البرش السباعي
إن المطالب الشعبية التي تروج على وسائط التواصل الاجتماعي سواء بحسن أو سوء نية والتي تحث الجمهورية الإسلامية الموريتانية على استرجاع الكويرة تستدعي التعقل والتريث حتى لا تهددوا الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ببلادكم.
أشقائي الموريتانيين أدعوكم إلى مراجعة وثيقة اتفاقية السلام الموريتانية مع البوليساريو الموقعة في الجزائر يوم 10 غشت 1979، عوض دغدغة عواطفكم بأحلام وكوابيس قاتلة.
اسمحوا لي ان أذكركم أن أول ماذا تعهدت به موريتانيا في اتفاقية السلام مع البوليساريو، هوقول زعمائكم: “إن الجمهورية الإسلامية الموريتانية تعلن رسميا أنها لا تملك ولن تكون لها أي مطالب إقليمية أو غيرها” في الساقية الحمراء ووادي الذهب. بمعنى أن هذا تعهد سياسي وتاريخي مكتوب تشهدون فيه انكم انسحبتم من الصراع وخروجكم بنتيجة لا غالب ولا مغلوب خوفا من تجييش الجزائر للبوليساريو خاصة بعد الهجوم الغادر على نواكشوط.
إن انسحابكم من حرب الصحراء كانت خطة تكتيكية بعدما علمتم ان البوليساريو بدعم من الجزائر ستستولي على الأراضي الموريتانية، ولذلك اشترطتم على الجزائر أن ينص اتفاق السلام حرفيا على قول “إن جبهة البوليساريو تعلن رسميا أنها لا تملك ولن تكون لها أي مطالب إقليمية في موريتانيا”. وهنا تنفس الانقلابيون في موريتانيا الصعداء فرحا بتوقيع اتفاق “سلام نهائي” بينهما. وقد أُحيل نص الاتفاق إلى الأمم المتحدة، ونُشر ضمن الوثائق الرسمية المتعلقة بقضية الصحراء الغربية.
سيقول قائل منكم لماذا تقحمون الجزائر، وهذه هي مشكلتكم أيها المغاربة. دور الجزائر في الاتفاقية ليس دولة حاضنة أو وسيط لتوقيع اتفاق سلام، بل لأنها الداعم السياسي والعسكري الرئيسي لجبهة البوليساريو. وتظهر وثائق دبلوماسية أمريكية تعود إلى أواخر السبعينيات أن الجزائر هي من وفرت للجبهة السلاح والملاذ والدعم السياسي للهجوم على نواكشوط، وأن علاقتها بها منحتها قدرة مهمة على التأثير في مسار النزاع والتسوية التفاوضية وتحييد موريتانيا من نزاع الصحراء.
دعوني أذكركم أن اتفاقية السلام سنة 1979 جاءت مباشرة بعد انقلاب يوليوز 1978 في موريتانيا، حين روجت القيادة الجديدة أن حرب الصحراء استنزفت البلاد والعباد وأن الانقلاب جاء كجبهة إنقاذ وطنية وكسب شرعية شعبية، فدخلوا في مفاوضات مباشرة مع البوليساريو انتهت باتفاق الجزائر، الذي أنهى مشاركة موريتانيا في الحرب وأقر تخليها عن المطالب الإقليمية في الصحراء الغربية.
وهنا ينبغي فهم الدور الجزائري في سياقه: فقد وفرت الجزائر الإطار السياسي والجغرافي للمفاوضات، وكانت طرفا داعما للبوليساريو، والأدهى من ذلك أن الاتفاق تم توقيعه بين موريتانيا والبوليساريو، وليست معاهدة ثلاثية وقعتها الجزائر وموريتانيا والجبهة.
كان الجيش الجزائري يخطط لاحتلال إقليم وادي الذهب عقب انسحاب الجيش الموريتاني سنة 1979، وتحقيق حلمها التاريخي بالحصول على منطقة مطلة على المحيط الأطلسي، لكن يقظة المملكة المغربية كانت على أهبة الاستعداد لاسترجاع إقليم وادي الذهب ومواجهة الجيش الجزائري الغازي وميليشيات البوليساريو في معركة بئر انزران يوم 11 غشت 1979، بعد يوم واحد من الاتفاقية. وبعد ثلاثة أيام، أي في 14 غشت 1979 تقدم شيوخ وأعيان القبائل بإعلان البيعة للملك الحسن الثاني في الرباط.
إن من يطالب اليوم بالكويرة باسم الحقوق التاريخية أو الإقليمية مطالب أولا بتوضيح موقفه من اتفاق السلام الذي وقعته موريتانيا مع البوليساريو. فهل يتحدث عن رأي شخصي لا يلزم الدولة؟ كما قال الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية ولد بابانا قبل أيام. أم أن الذباب الإلكتروني هو مجرد واجهة إعلامية للإعداد لانقلاب على الدولة الموريتانية عبر تحريض الشعب، أو إجبار القيادة السياسية لمراجعة اتفاقية السلام والانسحاب منها بشكل أحادي. لتخلي موريتانيا على التزاماتها. وهنا ستناصبون العداء للبوليساريو والجزائر لأنكم انسحبت من اتفاقية السلام سنة 1979.
إن أردتم فتح ملف الكويرة، فابدؤوا من اتفاق الجزائر المؤرخ في 10 أغسطس 1979، واستعدوا للحرب مع الجزائر والبوليساريو، أما مشاكسة المغرب وتحويل مطالبكم لمواجهته فهي مجرد زوبعة في فنحان، لأن إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب صار تحت السيادة المغربية، والتفاوض السياسي حوله لتنزيل الحكم الذاتي صار مؤطرا بالقرار الأممي 2797،
أشقائى الموريتانيين، الكويرة مغربية والقيادة السياسة الموريتانية تتبرأ من مطالبكم لأنكم تضعون موريتانيا في مواجهة مباشرة مع الجزائر والبوليساريو إذا دفعتم بلادكم إلى التنصل من التزاماتها الموقع عليها في اتفاقية السلام سنة 1979.



