الرئيسيةالأولىالدين الخارجي: عبء أم فرصة للتنمية؟ ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟

الدين الخارجي: عبء أم فرصة للتنمية؟ ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟

كثر الحديث عن الدين الخارجي، وغالباً ما يتم تصويره باعتباره عبئاً على الدولة وتهديداً لمستقبلها، في حين أن المقاربة الاقتصادية الحديثة تفرض النظر إليه من زاوية أكثر شمولية وموضوعية، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتبسيط المخل.

فالدين الخارجي ليس بالضرورة عبئاً، بل يمكن أن يشكل رافعة للتنمية إذا وُجّه نحو الاستثمار المنتج، وتمويل البنيات التحتية والمشاريع الاستراتيجية، وتعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل.

إن العبرة ليست بحجم المديونية وحده، بل بكيفية توظيفها، وبالمردودية الاقتصادية والاجتماعية للاستثمارات الممولة بها، وبقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على استدامة ماليتها العمومية.

ماذا تقول التجارب الدولية؟

الولايات المتحدة الأمريكية: تعتمد على الاقتراض لتمويل جزء من نفقاتها واستثماراتها العامة، مستفيدة من قوة اقتصادها ومكانة الدولار وعمق أسواقها المالية. ومع ذلك، فإن ارتفاع الدين وتكاليف فوائده يظلان مصدر قلق بشأن استدامة المالية العامة. والدرس هو أن قوة الاقتصاد تعزز القدرة على تحمل الدين، لكنها لا تلغي مخاطره.

اليابان: تقدم مثالاً على اقتصاد متقدم يتحمل مستويات مرتفعة من الدين العام، مع اعتماد واسع على التمويل بالعملة الوطنية والمستثمرين المحليين. لكنها تواجه بدورها تحديات مرتبطة بتكاليف الفوائد والشيخوخة السكانية والنمو. وهذا يؤكد أن تقييم المديونية لا يمكن أن يعتمد على حجمها وحده.

كوريا الجنوبية: تُبرز تجربتها أهمية الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والتصنيع والبحث العلمي والتكنولوجيا، إلى جانب دعم الصادرات ورفع الإنتاجية. فالتحول الاقتصادي المستدام يتطلب توجيه الموارد نحو القطاعات التي تخلق القيمة المضافة وفرص الشغل وتعزز تنافسية الاقتصاد.

ألمانيا: تؤكد أهمية الجمع بين الانضباط المالي والاستثمار في القاعدة الإنتاجية. فضبط النفقات ضروري، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب البنيات التحتية والتكنولوجيا والاستثمارات التي تضمن القدرة التنافسية والنمو على المدى الطويل.

هذه التجارب، رغم اختلاف ظروفها الاقتصادية والمالية، تبرز حقيقة أساسية: ليست المشكلة في الاقتراض في حد ذاته، بل في الغاية منه، وكلفة تمويله، والعائد الذي يحققه للاقتصاد.

وماذا عن المغرب؟

في سياق مواصلة المغرب تحديث بنياته التحتية، وتطوير موانئه وطرقه وسككه الحديدية، والاستثمار في الطاقات المتجددة والماء والتعليم والتكنولوجيا، يمكن للتمويل الخارجي أن يشكل رافعة مهمة للتنمية، متى وُجّه إلى مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية واضحة.

لكن نجاح هذه المقاربة يقتضي تقييم كل مشروع وفق قدرته على خلق الثروة وفرص الشغل، ورفع الإنتاجية، وتحسين تنافسية الاقتصاد، مع مراعاة كلفة الاقتراض وآجاله ومخاطر تقلبات أسعار الصرف وأثر خدمة الدين على الميزانية.

 

فالدين الذي يمول مشاريع منتجة ويعزز القدرة الاقتصادية للبلاد يمكن أن يكون استثماراً في المستقبل، أما الدين الذي يمول نفقات غير منتجة أو مشاريع ضعيفة المردودية، فقد يتحول إلى عبء على المالية العمومية والأجيال القادمة.

لذلك، ينبغي ألا ينحصر النقاش في حجم الدين الخارجي، بل أن يمتد إلى كيفية تدبيره، وفعالية الاستثمارات الممولة به، وقدرة الاقتصاد الوطني على توليد الموارد والصادرات اللازمة للوفاء بالالتزامات المالية.

الخلاصة:

الدول لا تبني قوتها الاقتصادية بمجرد تجنب الاقتراض، بل بحسن تدبير مواردها وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج، مع الحفاظ على التوازنات المالية.

إن الرهان الحقيقي بالنسبة للمغرب ليس فقط التحكم في حجم المديونية، بل الانتقال إلى منطق تدبير المردودية التنموية للمديونية، حتى يصبح الاقتراض وسيلة لتوسيع الثروة الوطنية وتحسين ظروف عيش المواطنين، لا مجرد أداة لتغطية الحاجيات المالية.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: كم اقترضنا؟ بل أساساً: ماذا أنجزنا بما اقترضناه؟ وما الثروة التي خلقناها؟ وهل ستفوق عوائد استثماراتنا تكاليفها والتزاماتها؟

محمد بنيس

مدير B2N SOLUTIONS

Conseil en Stratégie et Développement Territorial

📞 06 61 90 03 28

✉️ mbennis.b2n@gmail.com

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات