الرئيسيةالأولىالسيادة التي ينبغي أن نشتغل عليها هي السيادة المعرفية

السيادة التي ينبغي أن نشتغل عليها هي السيادة المعرفية

محسن لخديسي

ليست المشكلة في أن تمتلك الدول تكنولوجيا يصنعها الآخرون، بل في أن تخلط بين القدرة على استخدامها والقدرة على التحكم في شروط إنتاجها. فقد تتوسع البنية التحتية الرقمية، وتتطور الخدمات، وتزداد سرعة معالجة البيانات، بينما تظل المعرفة التي تقوم عليها هذه المنظومة خارج قدرة المجتمع على إنتاجها أو تطويرها أو حتى مساءلتها. وهنا تنشأ مفارقة تستحق التأمل: قد تصبح الدولة أكثر تقدمًا في استخدام التكنولوجيا، دون أن تصبح بالضرورة أكثر استقلالًا في علاقتها بها.

فالسيادة لا تُقاس بما نمتلكه من أدوات فحسب، وإنما بما نمتلكه من قدرة على الفهم والاختيار والفعل. والتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تمنح هذه القدرة بصورة تلقائية؛ إذ يمكن للأداة نفسها أن توسع إمكانات الإنسان حين يفهمها ويتحكم في استخدامها، وأن تعمق اعتماده على غيره حين يكتفي باستهلاك نتائجها دون إدراك الأسس التي تقوم عليها.

من هنا أرى أن أول سيادة ينبغي أن نشتغل عليها هي السيادة المعرفية؛ سيادة الوعي وسيادة الإنسان. وليس المقصود بذلك التقليل من أهمية السيادة الرقمية أو امتلاك البنى التحتية والقدرات الحاسوبية، بل التأكيد أن هذه العناصر لا تتحول إلى قدرة وطنية مستقلة إلا حين تسندها كفاءات قادرة على تشغيلها وتطويرها وتوجيهها وفق حاجات المجتمع وأولوياته.

إن المعرفة ليست مجرد رصيد من المعلومات يتراكم داخل المؤسسات أو في ذاكرة الأفراد. فقيمتها الأعمق تكمن في القدرة التي تمنحها على التمييز بين الخيارات، وفهم نتائجها، وإنتاج حلول جديدة بدل الاكتفاء بالاختيار بين حلول جاهزة. ولهذا لا ينبغي اختزال السيادة المعرفية في امتلاك المعلومة، لأن من يعرف كيف يستخدم نظامًا ما قد يظل عاجزًا عن فهم منطقه، ومن يستطيع تشغيل خوارزمية لا يمتلك بالضرورة القدرة على تقييم حدودها أو تفسير نتائجها أو تطوير بديل عنها.

وهنا يظهر الفرق بين المعرفة التي تتيح لنا التكيف مع واقع قائم، والمعرفة التي تمنحنا القدرة على المساهمة في تشكيله. فالأولى تجعلنا أكثر كفاءة في التعامل مع ما هو متاح، أما الثانية فتفتح أمامنا إمكانية إنتاج ما لم يكن متاحًا أصلًا. ولا يمكن لاقتصاد يطمح إلى المنافسة أن يكتفي بالأولى، مهما بلغت درجة إتقانه لها.

ولعل أحد التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي اليوم أنه يجعل هذا الفرق أقل وضوحًا. فسهولة الوصول إلى الأدوات المتقدمة قد توحي بأن المسافة بين استخدامها وإنتاجها قد تقلصت إلى حد كبير. يستطيع الطالب أن يستعين بنموذج ذكي في التعلم، والمقاول أن يحسن إنتاجيته، والمؤسسة أن تطور خدماتها؛ وهي مكاسب حقيقية لا ينبغي التقليل منها. غير أن اتساع الاستعمال لا يعني بالضرورة اتساع القدرة على الابتكار، كما أن كثرة المستفيدين من التكنولوجيا لا تعني تلقائيًا وجود منظومة قادرة على إنتاجها.

قد ننجح، إذن، في تعميم أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم نكتشف أن قدرتنا على تحديد مسار تطورها ما زالت محدودة. وقد تتحسن إنتاجية مؤسساتنا، بينما تظل القرارات المتعلقة بالبنية التقنية التي تعتمد عليها، وبكيفية تطويرها، مرتبطة بخيارات لا نشارك بالقدر الكافي في صناعتها. عندئذ يصبح التقدم في الاستخدام إنجازًا مهمًا، لكنه يظل مختلفًا عن بناء السيادة.

غير أن تجاوز هذه الوضعية لا يتحقق بالدعوة إلى الاستغناء عن التكنولوجيا الأجنبية أو الانغلاق على المعرفة المحلية. فالمعرفة العلمية بطبيعتها تراكم إنساني مشترك، والتقدم التكنولوجي يقوم على البحث والتبادل والتعاون. والسيادة المعرفية لا تعني أن ننتج كل شيء بأنفسنا، بل أن نمتلك من الكفاءات والقدرات ما يسمح لنا بفهم ما نحتاج إليه، وتقييم ما نستعمله، وتطوير ما نستطيع إنتاجه، واختيار شراكاتنا من موقع المشاركة لا من موقع العجز عن البديل.

وهذا المعنى ينقلنا من سؤال امتلاك التكنولوجيا إلى سؤال بناء الإنسان القادر على التعامل معها بوصفه فاعلًا لا مجرد مستخدم.

فالتعليم، في هذا السياق، لا يمكن أن يظل محصورًا في نقل المعارف التي يحتاج إليها سوق الشغل في لحظة معينة. إننا نكوّن أجيالًا ستعمل في بيئة تتغير فيها الأدوات والمهن وأساليب الإنتاج بوتيرة قد تتجاوز سرعة تحديث المناهج نفسها. ولذلك فإن قيمة التكوين لا تكمن فقط في المهارات التي يكتسبها المتعلم اليوم، بل في قدرته على تجديدها غدًا، وعلى التمييز بين ما ينبغي أن يتعلمه، وما يحتاج إلى مراجعته، وما أصبح تجاوزه ضرورة للتقدم.

ولا يعني ذلك أن يصبح الجميع متخصصين في تطوير الذكاء الاصطناعي. فهناك فرق بين بناء ثقافة معرفية عامة تسمح لكل فرد باستخدام هذه الأدوات بوعي، وبين إعداد الباحثين والمهندسين القادرين على تطويرها. لكن المستويين متكاملان؛ إذ لا يمكن أن تزدهر منظومة متخصصة داخل مجتمع لا يمتلك قاعدة واسعة من الكفاءات القادرة على استيعاب التحولات العلمية والتكنولوجية.

والجامعة، من جهتها، لا ينبغي أن تُقاس مساهمتها بعدد الشهادات التي تمنحها وحده، بل أيضًا بما تنتجه من بحث علمي، وما تطوره من كفاءات، وما تتيحه من فرص لتحويل المعرفة إلى ابتكار وقيمة اقتصادية. فحين ينفصل التكوين عن البحث، وينفصل البحث عن حاجات المجتمع والاقتصاد، تتوزع الجهود بين مؤسسات قد تحقق نجاحات جزئية دون أن تتحول هذه النجاحات إلى قدرة وطنية متراكمة.

وهنا تبرز مسؤولية التمويل والسياسات العمومية. فلا يمكن أن نطالب الباحث بالإبداع دون توفير شروط البحث، أو ندعو الشباب إلى الابتكار دون إتاحة فرص التجربة، أو ننتظر من المؤسسات العلمية أن تنافس دوليًا دون تمكينها من الموارد البشرية والمادية اللازمة. فالسيادة المعرفية ليست شعارًا يمكن تحقيقه بالإرادة وحدها، وإنما بناء طويل يتطلب استثمارًا مستمرًا، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وآليات تقيس النتائج وتصحح الاختلالات.

كما أن الاستثمار في الإنسان لا يكتمل بمجرد تكوينه. فقد ننجح في إعداد كفاءات عالية التأهيل، لكننا لا نحول هذا النجاح إلى قوة اقتصادية ومعرفية إذا لم نوفر لها البيئة التي تسمح بالبحث والإنتاج والمبادرة. ومن هنا فإن الاحتفاظ بالكفاءات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد منع لخروجها، بل باعتباره بناء أسباب بقائها ومشاركتها، مع الاستفادة كذلك من خبرات المغاربة العاملين في الخارج.

إن التحدي الحقيقي ليس أن نفتخر بوجود أفراد مغاربة متفوقين في مؤسسات عالمية، وهو أمر يستحق الاعتزاز، بل أن ننتقل من تفوق الأفراد إلى قدرة المنظومة على إنتاج التميز واستدامته. فنجاح الباحث يعكس كفاءته، أما قدرة المجتمع على تكوين أعداد متزايدة من الباحثين وتمكينهم من الإنجاز، فتعكس نضج مؤسساته المعرفية.

ولعل أخطر أشكال التبعية ليس ذلك الذي يظهر في استيراد المعدات أو شراء الخدمات، بل التبعية التي لا نشعر بها لأننا أصبحنا نتقن استخدام ما لا نملك القدرة على فهم شروط إنتاجه. فكلما ازدادت سهولة التكنولوجيا، ازداد احتمال أن نخلط بين إتقان التعامل مع واجهتها وامتلاك المعرفة التي تقف وراءها.

وهذا لا يجعل الاستعمال بلا قيمة، بل يضعه في موقعه الصحيح: خطوة ضرورية نحو بناء القدرة، لا دليلًا كافيًا على اكتمالها.

إن السيادة المعرفية، بهذا المعنى، ليست غاية منفصلة عن التنمية، بل أحد شروطها العميقة. فالاقتصاد الذي يمتلك المعرفة يستطيع أن يطور منتجاته ويرفع إنتاجيته ويخلق فرصًا جديدة للعمل. والمؤسسات التي تمتلك كفاءات قادرة على التحليل والتقييم تصبح أقدر على اتخاذ قرارات مناسبة. والمجتمع الذي يوسع قاعدة الوعي العلمي والتكنولوجي يصبح أكثر قدرة على مناقشة الخيارات التي تؤثر في مستقبله، بدل الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها.

ولذلك لا أرى أن السؤال الحاسم بالنسبة إلى المغرب هو عدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي سنستخدمها خلال السنوات المقبلة، على أهمية هذا المؤشر، بل مقدار ما سنبنيه من قدرة وطنية على التعلم والبحث والإنتاج والابتكار. فالتقدم الحقيقي لا يتحقق بمجرد تقليص المسافة بيننا وبين أحدث التطبيقات، وإنما بتقليص المسافة بين إمكانات الإنسان المغربي والفرص التي نتيحها له لتحويلها إلى إنجاز.

من هنا أفهم السيادة المعرفية بوصفها انتقالًا من امتلاك الوسائل إلى امتلاك شروط الفعل، ومن الاستفادة من المعرفة إلى المشاركة في إنتاجها، ومن انتظار ما يتيحه التقدم التكنولوجي إلى الإسهام في تحديد الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه.

فليست السيادة أن نملك أحدث ما أنتجه العالم، بل أن نمتلك من المعرفة والوعي والقدرة ما يجعلنا شركاء في إنتاج ما سيحتاج إليه العالم غدًا.

وحين نقول إن السيادة تبدأ من الإنسان، فإننا لا نضعه في مقدمة الأولويات من باب الخطاب، بل لأن كل استثمار في التكنولوجيا يظل محدود الأثر ما لم يجد إنسانًا قادرًا على تحويله إلى معرفة وقرار وقيمة.

فالآلة قد توسع قدرتنا على الإنجاز، لكن الإنسان الواعي هو الذي يمنح هذا الإنجاز معناه واتجاهه.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات