محمد الحدادي
تدفعني القراءة الإستكشافية لكتاب علي أومليل -السلطة الثقافية والسلطة السياسية- إلى تجاوز السؤال المتعلق بموقف المثقف من السلطة، رغم أهميته، نحو سؤال أوسع يتصل بالشروط التي تجعل المعرفة السياسية ممكنة في تاريخها، وبالكيفية التي تتحول بها المعرفة إلى مصدر للشرعية والتأثير داخل المجتمع.
إن ما يثير اهتمامي في هذا الكتاب ليس فقط التاريخ العلائقي المعقد بين أهل الفكر والحكام، وإنما إمكان فهم المعرفة السياسية باعتبارها نتاجا لسياقات تاريخية واجتماعية تتحرك داخلها وتتداخل فيها الأفكار مع المؤسسات.
يبدو أن الانتقال الذي ينجزه أومليل بين الفقهاء والكتاب والفلاسفة والمثقفين، في السياق العربي، يتيح لنا التفكير في تعدد مصادر إنتاج المعرفة السياسية والتفاعل حولها. يتبين ذلك في فكرة جوهرية: أن المعرفة لا تصدر بالضرورة عن مؤسسة واحدة، ولا يستمد منتجوها سلطتهم من المرجعية نفسها. فيقدمها أومليل في تراكم تاريخي، ضمن من يستند إلى سلطة التأويل الديني، ومن يستمد مكانته من المعرفة والكتابة، ومن يحاول تأسيس شرعيته على العقل والتفكير الفلسفي، وهناك المثقف الحديث الذي يسعى إلى بناء موقع نقدي داخل المجتمع. وما يهمني في هذا التعدد هو أن المعرفة السياسية لا تتحدد بمضمونها فقط، بل كذلك بموقع من ينتجها وبالشروط التي تحقق قابلية تداولها وتأثيرها.
إذ هل تنتج المجتمعات أفكارها السياسية وفق حاجاتها الفكرية وحدها، أم أن بنيتها الاجتماعية والمؤسساتية تساهم أيضا في تحديد الأسئلة التي تصبح قابلة للتفكير، والمرجعيات التي تكتسب الاعتراف، والافتراضات التي تجيب مبدئيا؟
إن طرح هذا السؤال يجعل مفهوم “السياق” أكثر من مجرد خلفية تاريخية للأفكار، فهو أحد العناصر التي ينبغي فحصها لفهم طبيعة تشكل المعرفة السياسية.
عبر العلاقة التفاعلية، يقدم اومليل إشارة مهمة، فقد يمتلك الفاعل الثقافي رصيدا معرفيا واسعا، لكنه لا يمتلك بالضرورة الوسائل المؤسساتية أو الاجتماعية التي تسمح بتحويل معرفته إلى قوة مؤثرة في المجال السياسي، بما هو مجال للقول والفعل العمومي. والعكس ممكن أيضا، حين تستعين السلطة السياسية بالمعرفة وتوظفها في إنتاج شرعيتها وتفسير اختياراتها. وهذا يعني أن العلاقة بين السلطتين الثقافية والسياسية لا تختزل في الصراع أو التبعية، بل يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة من التفاعل.
إن مفهوم السياق، وفق هذا الطرح، ينبغي أن لا يتحول إلى تفسير شامل للمعرفة السياسية، بحيث تصبح الأفكار مجرد انعكاس آلي لشروطها الاجتماعية. فالأفكار تمتلك بدورها قدرة على فتح أسئلة مع سياقاتها، وإعادة تشكيل التصورات السائدة. لذلك تظل العلاقة بين المعرفة والسياق علاقة تفاعل قائم، ومتبادلة بالضرورة وليست علاقة تأثير أحادي الاتجاه.
ما يمكن الخروج به من هذه القراءة هو أن فهم المعرفة السياسية يقتضي الجمع بين سؤالين: كيف نفكر في السياسة؟ وكيف تتشكل الشروط التي تجعل تفكيرنا في السياسة ممكنا؟ وبين السؤالين قد تنكشف لنا أهمية التفكير في السلطة الثقافية، ليس فقط باعتبارها سلطة تحاز، وإنما باعتبارها مجالا تتشكل داخله المعاني السياسية، وتتحدد فيه عبره حدود إنتاج المعرفة وتداولها.



