كمال المصطفى
إن قراءة كتاب «القطيعة بين المثقف والفقيه: تحليل للبنيتين العقليتين» للباحث يحيى محمد تفتح أمامنا باباً واسعاً للتفكير في واحدة من الإشكاليات التي ظلت حاضرة في تاريخ الفكر العربي، وهي العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين المرجعية الدينية والعقل النقدي، وبين ما ورثناه من أنماط التفكير وما تفرضه التحولات الاجتماعية والتاريخية من أسئلة جديدة. فالمسألة، في تقديري، لا تتعلق بمجرد اختلاف بين المثقف والفقيه حول مصادر المعرفة أو طرق الوصول إلى الحقيقة، بل تتجاوز ذلك إلى البحث في الشروط التي صنعت هذا الاختلاف، وفي طبيعة المجتمع الذي منح لكل واحد منهما موقعاً خاصاً داخل الحياة الثقافية والسياسية.
حين نتحدث عن القطيعة بين المثقف والفقيه، فإننا نكون أمام علاقة تاريخية لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات التي عرفتها المجتمعات العربية، خصوصاً مع دخول الدولة الحديثة، وانتشار التعليم النظامي، وظهور الجامعة، وتوسع الصحافة ووسائل الاتصال، وما رافق ذلك من تغير في مصادر المعرفة وفي الجهات التي أصبحت تمتلك حق تفسير العالم وتحديد معناه. لقد كان الفقيه، في مراحل تاريخية معينة، جزءاً من منظومة معرفية تستند إلى النص الديني وعلومه ومؤسساته، بينما ظهر المثقف الحديث في سياق مختلف، ارتبط بالجامعة والفلسفة والعلوم الاجتماعية والفكر السياسي الحديث. غير أن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأننا أمام عقلين منفصلين بصورة نهائية، لأن كليهما يتأثر بالواقع الاجتماعي، ويتفاعل مع التحولات التي يعيشها المجتمع، ويتحرك داخل علاقات تتداخل فيها المعرفة بالمصلحة والسلطة والاعتراف.
ومن هنا تأتي أهمية سوسيولوجيا المعرفة، التي لا تكتفي بقراءة الأفكار من داخلها، بل تحاول أن تفهم الظروف التي أنتجتها، والمؤسسات التي احتضنتها، والفئات الاجتماعية التي تبنتها، والوظائف التي أدتها في لحظات تاريخية مختلفة. فالفكرة لا تعيش خارج المجتمع، والمثقف لا يتشكل بعيداً عن محيطه، كما أن الفقيه ليس مجرد ناقل لموروث ثابت. إنهما، مثل غيرهما من الفاعلين، نتاج تاريخ اجتماعي وثقافي تتغير داخله مواقع المعرفة وأشكال شرعيتها.
لكن هذا المنظور لا يعني أن الأفكار مجرد انعكاس مباشر للمصالح الاجتماعية، أو أن كل خطاب لا يعدو أن يكون تعبيراً عن موقع صاحبه داخل بنية السلطة. فالمعرفة تمتلك بدورها منطقها الخاص، وتستطيع أحياناً أن تتجاوز الشروط التي نشأت فيها، وأن تتحول إلى قوة نقدية تواجه المجتمع ومؤسساته. لذلك فإن فهم العلاقة بين المثقف والفقيه يقتضي الجمع بين تحليل السياق الاجتماعي الذي ينتج المعرفة، وفهم المفاهيم والمناهج التي يستعملها كل طرف في بناء تصوره للعالم.
يحاول يحيى محمد أن يفسر هذا الاختلاف انطلاقاً من طبيعة البنية المعرفية لكل من المثقف والفقيه، ومن المصادر والآليات التي يعتمد عليها كل منهما في التفكير. فالفقيه، وفق هذا التصور، ينطلق أساساً من النص وعلومه وآليات تفسيره، بينما يميل المثقف الحديث إلى جعل الواقع والعقل والنقد أدوات مركزية في بناء المعرفة. وبين هذين الموقعين تظهر إمكانية وجود مثقف ديني يحاول الجمع بين المرجعية النصية ومتطلبات الحياة الاجتماعية. وتبدو هذه المقاربة مفيدة لأنها تضعنا أمام سؤال حقيقي يتعلق بكيفية تشكل المعرفة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قراءة نقدية تتجاوز التصنيف النظري إلى دراسة الممارسة الفعلية للأفراد والمؤسسات.
فهل يكفي أن ننتمي إلى الحقل الديني حتى نكون أسرى النص؟ وهل يكفي أن نحمل صفة المثقف الحديث حتى نكون أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر تحرراً من سلطة الأفكار الجاهزة؟ إن التاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة تجعل هذه الثنائيات موضع شك. فقد وقف بعض رجال الدين في وجه الظلم والاستبداد، ودافعوا عن كرامة الإنسان وحقوق الفئات المهمشة، بينما تحول بعض المثقفين الذين رفعوا شعارات الحداثة والعقلانية إلى مدافعين عن السلطة أو مبررين لسياساتها. وفي المقابل، وجدنا فقهاء يعيدون إنتاج أنماط تقليدية من التفكير، ومثقفين جعلوا من النقد وسيلة لمساءلة البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية.
لذلك لا أعتقد أن المشكلة تكمن في المرجعية الدينية أو المرجعية الحديثة في حد ذاتها، بل في الطريقة التي تتحول بها المرجعيات إلى سلطات مغلقة، وفي قدرتها على منع الأسئلة الجديدة أو مصادرة حق الآخرين في التفكير والاختلاف. فقد يتحول النص الديني إلى وسيلة لتبرير علاقات اجتماعية غير عادلة، كما يمكن أن يصبح منطلقاً للدفاع عن العدالة ومقاومة الاستبداد. وبالمثل، يمكن للعقل الحديث أن يكون أداة للتحرر، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على قرارات سياسية أو اقتصادية لا تخدم بالضرورة مصالح المجتمع.
ومن هنا يصبح من الضروري وضع هذه الإشكالية داخل السياق العربي الحديث، حيث لم تكن الدولة مجرد مؤسسة لتنظيم الحياة العامة، بل أصبحت في كثير من الحالات فاعلاً أساسياً في إنتاج المعرفة وتوجيهها، وفي تحديد ما يمكن أن يقال وما ينبغي أن يبقى خارج المجال العام. فقد دخل المثقف العربي الحديث في علاقة معقدة مع الدولة، بدأت في بعض مراحلها بوصفها علاقة أمل في التحديث وبناء المجتمع، ثم تحولت في حالات أخرى إلى علاقة توتر وصراع، خصوصاً عندما اكتشف أن السلطة السياسية التي رفعت شعارات التقدم والتحرر تستطيع بدورها أن تمارس الرقابة والإقصاء وتحتكر القرار.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: لقد أراد المثقف الحديث أن يتحرر من سلطة التقليد، لكنه وجد نفسه أحياناً أمام سلطة حديثة تستخدم الجامعة والإعلام والإدارة ومؤسسات الثقافة لتوجيه المعرفة وإعادة إنتاج خطابها الخاص. وبذلك لم يعد السؤال مقتصراً على استقلال المثقف عن الفقيه، بل أصبح يتعلق باستقلاله عن الدولة والسوق ومؤسسات التمويل والاعتراف الأكاديمي، وعن مختلف المصالح التي قد تحدد اتجاه إنتاجه الفكري.
فالمثقف الذي يرفض سلطة المؤسسة الدينية ليس بالضرورة مثقفاً مستقلاً، إذا كان عاجزاً عن مساءلة المؤسسة السياسية التي تمنحه موقعه أو تحدد حدود خطابه. كما أن الفقيه الذي ينتقد بعض مظاهر الحداثة لا يكون بالضرورة مدافعاً عن الاستبداد، إذا كان موقفه ينطلق من رفض الظلم والدفاع عن حقوق الناس. إن العلاقة بين المعرفة والسلطة أكثر تعقيداً من أن تختزل في مواجهة بين طرف يمثل الماضي وآخر يمثل المستقبل.
وفي الحالة المغربية، يمكن أن نقرأ هذه الإشكالية في ضوء العلاقة التاريخية بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية، وفي ضوء التحولات التي عرفتها الجامعة والتعليم والإعلام والحقل الثقافي. فقد أصبح إنتاج المعرفة مرتبطاً بمؤسسات متعددة، لكل واحدة منها شروطها ومصالحها وآلياتها في منح الاعتراف أو حجبه. ولذلك فإن مساءلة موقع المثقف والفقيه تقتضي أيضاً مساءلة طبيعة المؤسسات التي تمنحهما الشرعية، والحدود التي ترسمها أمام الاجتهاد والنقد، ومدى قدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع المغربي.
ولا يعني ذلك أن نضع جميع الفاعلين داخل هذه المؤسسات في سلة واحدة، بل أن نبحث في الشروط التي تجعل المعرفة قادرة على ممارسة دور نقدي، أو تدفع بها إلى التحول إلى خطاب يبرر الواقع القائم. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسات، وإنما في طبيعة علاقتها بالمعرفة، وفي مدى قبولها بالتعدد والاختلاف، وفي قدرتها على حماية استقلال البحث والتفكير.
وعندما ننتقل إلى المنهج التاريخي، نجد أنفسنا أمام إمكانية أخرى لفهم القطيعة بين المثقف والفقيه. فقد علمنا ماركس أن الأفكار لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية، وأن فهمها يقتضي النظر إلى علاقاتها بشروط الإنتاج وبالصراعات التي تحدد توزيع الثروة والسلطة داخل المجتمع. ولا يعني ذلك أن الفكر الديني أو الفلسفي يمكن اختزاله في الاقتصاد، بل إن المطلوب هو معرفة كيف ترتبط الأفكار بمصالح الفئات الاجتماعية، وكيف تكتسب بعض التصورات قدرة على الهيمنة، بينما تجد تصورات أخرى نفسها في موقع المقاومة أو التهميش.
ومن هذا المنطلق، فإن اختلاف المرجعيات المعرفية لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات التي عرفتها المجتمعات العربية، وعن أثر الاستعمار وبناء الدولة الحديثة وتوسع الاقتصاد الرأسمالي وتغير البنية ” الطبقية “. فانتقال المعرفة من المؤسسة التقليدية إلى الجامعة الحديثة لم يكن مجرد انتقال من منهج إلى آخر، بل كان أيضاً تحولاً في مواقع إنتاج الشرعية، وفي تكوين النخب، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وقد يتيح لنا هذا المنظور أن نفهم لماذا تتبنى بعض الفئات الاجتماعية خطاباً دينياً معيناً، ولماذا تتبنى فئات أخرى خطاباً حداثياً أو علمانياً، وكيف يمكن للخطابات نفسها أن تتغير وظائفها بحسب السياق الذي تستعمل فيه. فالفكرة التي تؤدي دوراً نقدياً في مرحلة تاريخية قد تتحول، في مرحلة أخرى، إلى وسيلة للدفاع عن امتيازات قائمة. ولذلك لا يكفي أن نحكم على الخطاب انطلاقاً من الشعارات التي يرفعها، بل ينبغي أن ننظر أيضاً إلى علاقته بالمصالح الاجتماعية وبالنتائج التي تترتب على استعماله.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية أنطونيو غرامشي، الذي أظهر أن السيطرة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى الهيمنة الثقافية، أي إلى القدرة على جعل رؤية فئة اجتماعية معينة للعالم تبدو وكأنها الرؤية الطبيعية والمقبولة لدى الجميع. فالسلطة تحتاج إلى الأفكار والمؤسسات واللغة والتعليم لكي تضمن استمرارها، كما تحتاج إلى إنتاج نوع من القبول الاجتماعي يجعل علاقات الهيمنة أقل ظهوراً في الحياة اليومية.
وبالاستناد إلى هذا التصور، يمكن أن نسأل عن الدور الذي يؤديه المثقف والفقيه في إنتاج الهيمنة أو مقاومتها. فقد يتحول المثقف إلى صوت يعبر عن مصالح القوى المهيمنة، حتى وهو يتحدث باسم العقل والتقدم، كما يمكن أن يصبح فاعلاً نقدياً يساهم في كشف التناقضات الاجتماعية وتوسيع إمكانات التغيير. وقد يؤدي الفقيه وظيفة مشابهة، سواء من خلال تبرير النظام القائم أو من خلال الدفاع عن الفئات التي تعاني التهميش والظلم.
وتكتسب فكرة المثقف العضوي عند غرامشي أهميتها من كونها تربط المعرفة بالحياة الاجتماعية، وتخرج بالمثقف من صورة الشخص المنعزل الذي يكتفي بالتعليق على الأحداث. فالمثقف العضوي لا يكتفي بإنتاج الأفكار، بل يحاول فهم التجارب الاجتماعية التي يعيشها الناس، ويعمل على تحويل الخبرات المتفرقة إلى وعي نقدي قادر على إدراك المصالح والتناقضات التي تحكم المجتمع. ولا يعني ذلك أن المعرفة ينبغي أن تخضع لبرنامج سياسي جاهز، وإنما أن استقلالها لا يكتمل إذا بقيت منفصلة عن الواقع الذي تحاول فهمه.
أما ميشيل فوكو، فيساعدنا على النظر إلى المسألة من زاوية أخرى، من خلال تحليله للعلاقة بين المعرفة والسلطة. فالسلطة، في تصوره، لا تقتصر على المنع والقمع، بل تشارك أيضاً في إنتاج المعايير والتصنيفات التي تحدد ما يعد معرفة صحيحة، ومن يملك حق الكلام، ومن يُعترف به خبيراً، ومن يُدفع إلى الهامش. وهي لا توجد فقط في أجهزة الدولة، بل تتوزع داخل مؤسسات الحياة اليومية، من المدرسة والجامعة إلى المؤسسة الدينية والإدارة والإعلام.
وعندما نعيد النظر في العلاقة بين المثقف والفقيه من هذه الزاوية، نكتشف أن الاختلاف لا يتعلق فقط بالمصادر المعرفية، بل أيضاً بالمؤسسات التي تمنح لكل طرف سلطته الرمزية. فمن يحدد شروط الاعتراف بالاجتهاد؟ ومن يقرر حدود المعرفة المقبولة؟ وكيف تصبح قراءة معينة للنص أو للواقع مرجعاً معتمداً، بينما تُستبعد قراءات أخرى؟ وما العلاقة بين سلطة الخبير الأكاديمي وسلطة المؤسسة الدينية وسلطة الدولة؟
هذه الأسئلة تجعلنا ندرك أن المعرفة ليست مجرد جهد فردي، بل هي ممارسة اجتماعية تتداخل فيها علاقات الاعتراف والتصنيف والإقصاء. غير أن فوكو لا يقدم ببساطة صيغة أخرى من المنهج التاريخي ؛ فهو يختلف عن التحليل الطبقي التقليدي في تركيزه على تعدد مواقع السلطة وآليات اشتغالها داخل المؤسسات والخطابات. ومن ثم يمكن الاستفادة من المنظورين مع الحفاظ على الاختلاف بينهما: يتيح لنا ماركس وغرامشي فهم المصالح الطبقية والهيمنة الاجتماعية، بينما يساعدنا فوكو على كشف الآليات اليومية التي تنتج السلطة وتعيد تنظيم علاقتها بالمعرفة.
ومن جهة أخرى، يفتح فكر جاك دريدا مجالاً لمساءلة الثنائيات التي اعتدنا التعامل معها باعتبارها حدوداً واضحة ونهائية، مثل ثنائية النص والواقع، والتقليد والحداثة، والدين والعقل. فالتفكيك لا يعني إلغاء النص أو رفض المعنى، وإنما مساءلة الطريقة التي يصبح بها أحد طرفي الثنائية مركزاً للحقيقة، بينما يوضع الطرف الآخر في موقع التابع أو الناقص.
وبهذا المعنى، يمكن أن نسأل: هل توجد قطيعة نهائية بين عقل الفقيه وعقل المثقف؟ أم أن العلاقة بينهما أكثر تداخلاً مما توحي به التصنيفات النظرية؟ أليس من الممكن أن يحمل الخطاب الديني عناصر نقدية تتجاوز المؤسسة التي أنتجته، وأن يعيد المثقف الحديث إنتاج مسلمات مغلقة باسم العقل أو التقدم؟ إن أهمية هذا السؤال تكمن في أنه يمنعنا من تحويل الاختلافات التاريخية إلى هويات ثابتة، ويجعلنا أكثر انتباهاً إلى التناقضات الموجودة داخل كل خطاب.
أما مهدي عامل، فيمنحنا مدخلاً مهماً لفهم العلاقة بين الفكر والبنية الاجتماعية في المجتمعات العربية. فالنقد، في هذا الأفق، لا يتحقق باستيراد المفاهيم الجاهزة وتطبيقها على الواقع، بل ببناء أدوات تحليل قادرة على فهم خصوصية التكوين الاجتماعي العربي وعلاقته بالاستعمار والرأسمالية وبنية الدولة والصراعات الطبقية. ولا يكفي أن يتبنى المثقف لغة تقدمية أو ماركسية حتى يصبح خطابه نقدياً؛ بل ينبغي أن يكون قادراً على تحليل العلاقات الاجتماعية الملموسة التي تنتظم داخلها الأفكار والمؤسسات.
ومن هنا، فإن دراسة القطيعة بين المثقف والفقيه ينبغي ألا تظل محصورة في مقارنة مصادر المعرفة وآليات التفكير، بل يجب أن تمتد إلى تحليل موقع كل منهما في البنية الاجتماعية والسياسية، وعلاقته بمؤسسات الدولة، وبالتحولات الاقتصادية، وبالصراعات التي تعيد تشكيل المجتمع. فالصراع الفكري قد يخفي أحياناً صراعاً على المواقع والموارد والاعتراف، لكنه لا يختزل بالضرورة في ذلك، لأن الأفكار نفسها قادرة على التأثير في المصالح وتغيير مسارات الفعل الاجتماعي.
وإذا فتحنا النقاش على مدرسة فرانكفورت، فإننا سنجد أنفسنا أمام سؤال آخر: ماذا يحدث حين يتحول العقل، الذي يفترض أن يكون وسيلة للتحرر، إلى أداة للضبط والسيطرة؟ لقد أظهر مفكرو هذه المدرسة أن التقدم العلمي والتقني لا يؤدي بالضرورة إلى تحرير الإنسان، وأن الحداثة قد تنتج أشكالاً جديدة من الهيمنة عندما يتحول العقل إلى مجرد أداة لحساب المنفعة ورفع الكفاءة والسيطرة على الإنسان والطبيعة.
ومن هذا المنظور، يمكن أن نعيد التفكير في المقابلة بين العقل الفقهي والعقل الحديث. فهل يكفي أن يكون العقل حديثاً حتى يصبح نقدياً؟ وهل يكفي أن تتبنى المعرفة المناهج العلمية لكي تتحرر من سلطة المؤسسات والمصالح؟ إن العقل الأكاديمي نفسه قد يتحول إلى عقل أداتي حين يكتفي بإنتاج الخبرة التقنية، ويتجنب مساءلة الشروط الاجتماعية والسياسية التي توجه استخدامها. كما يمكن للثقافة أن تتحول إلى سلعة، وللمعرفة أن تصبح اختصاصاً مغلقاً، وللنقد أن ينفصل عن المجتمع حتى يفقد قدرته على التأثير فيه.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى المعرفة بوصفها ممارسة ترتبط بالحرية والعدالة، لا مجرد تراكم للمعلومات والمفاهيم. فالمثقف الذي لا يسائل شروط إنتاج معرفته قد يصبح جزءاً من النظام الذي يدعي نقده، والفقيه الذي يعزل الاجتهاد عن التحولات الاجتماعية قد يجد نفسه عاجزاً عن فهم الأسئلة الجديدة التي يطرحها المجتمع. ولا يكفي، في الحالتين، تغيير اللغة أو تحديث المصطلحات، ما لم يتغير الموقف من الإنسان ومن حقه في التفكير والاختلاف والمشاركة في إنتاج المعنى.
ومن المهم، في هذا السياق، أن نميز بين أطروحة يحيى محمد والقراءة النقدية التي يمكن بناؤها انطلاقاً منها. فاستحضار غرامشي وفوكو ودريدا ومهدي عامل ومدرسة فرانكفورت لا يعني بالضرورة أن هذه المرجعيات تشكل الأساس المباشر للكتاب، وإنما يعني أننا نستخدمها لتوسيع النقاش وإضاءة جوانب قد لا تكفي المقاربة المعرفية وحدها لتفسيرها.
إن الأرضية الفكرية للكتاب تتيح لنا التفكير في إمكانية تجاوز القطيعة بين المثقف والفقيه، لكنها تدفعنا أيضاً إلى مساءلة الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل هذه القطيعة تستمر. فالمشكلة ليست في اختلاف المرجعيات وحده، وإنما في الطريقة التي تتحول بها إلى سلطات مغلقة، وفي قدرة المؤسسات على فرض تأويل معين وإقصاء التأويلات الأخرى، وفي مدى استعداد الفاعلين للاعتراف بحدود معارفهم وبحق الآخرين في الاختلاف.
ولا أعتقد أن تجاوز هذه القطيعة يعني البحث عن مصالحة شكلية بين الطرفين، أو الدعوة إلى توفيق سريع بين الدين والحداثة. فالمصالحة التي تتجاهل التناقضات الحقيقية قد تتحول إلى مجرد خطاب مريح يخفي الصراعات بدل أن يفهمها. المطلوب هو بناء علاقة نقدية بين المرجعيات المختلفة، علاقة تسمح للنص بأن يُقرأ في ضوء تحولات الحياة، وللعقل بأن يراجع افتراضاته، وللمعرفة بأن تخضع دائماً للاختبار والمساءلة.
فالفقيه الذي ينفتح على الواقع لا يفقد بالضرورة خصوصيته المعرفية، كما أن المثقف الذي يعترف بأهمية التراث لا يتخلى بالضرورة عن استقلاله. لكن هذا التفاعل لن يكون مثمراً إلا إذا تحرر الطرفان من منطق الوصاية، ومن الاعتقاد بأن أحدهما يمتلك الحقيقة كاملة. فالمجتمع ليس مجرد موضوع تتنافس النخب على تفسيره، بل هو أيضاً فضاء لإنتاج الخبرات والمعاني والتصورات، ويشارك أفراده في صياغة الأسئلة التي ينبغي للفكر أن يواجهها.
إن السؤال الأهم الذي يطرحه هذا الكتاب، حين نقرأه من منظور سوسيولوجيا المعرفة، ليس فقط كيف نشأت القطيعة بين المثقف والفقيه، بل كيف يمكن بناء شروط اجتماعية تسمح للمعرفة بأن تتحرر من احتكار السلطة، وأن تصبح قادرة على فهم التناقضات التي يعيشها المجتمع والمساهمة في تغييرها. وكيف يستطيع المثقف أن يتجاوز صورة الوسيط بين النخب، ليصغي إلى التجارب الشعبية ويفهم شروطها، من دون أن يدعي الحديث باسم الناس أو يصادر حقهم في التعبير عن أنفسهم؟
بالنتيجة، لا تتحرر المعرفة بمجرد تغيير مصادرها، بل حين تصبح قادرة على مساءلة شروط إنتاجها ومصالحها وحدودها. ولا يكتسب المثقف استقلاله بمجرد القطيعة مع الفقيه، وإنما بقدرته على رفض كل سلطة تمنعه من ممارسة النقد. كما أن تجديد الفكر الفقهي لا يتحقق بمجرد إدخال بعض المفاهيم الحديثة إلى خطابه، بل حين يصبح الاجتهاد قادراً على التفاعل مع تحولات المجتمع، وعلى إعادة النظر في الأجوبة التي لم تعد كافية لفهم أسئلة الحاضر.
إن القطيعة ليست قدراً تاريخياً، كما أن المصالحة ليست غاية في ذاتها. المعيار الحقيقي هو قدرة المعرفة على فهم المجتمع، وكشف أشكال الظلم فيه، ومقاومة كل محاولة لتحويل الحقيقة إلى امتياز تحتكره فئة بعينها. وهنا يمكن أن تلتقي المادية التاريخية مع تحليل غرامشي للهيمنة، ومع مساءلة فوكو للعلاقة بين المعرفة والسلطة، ومع تفكيك دريدا للثنائيات المغلقة، ومع نقد مهدي عامل للتكوين الاجتماعي العربي، ومع اعتراض مدرسة فرانكفورت على العقل الأداتي.
إن الرهان، في النهاية، هو ألا يصبح الفكر غريباً عن الإنسان الذي يفترض أن يخدمه، وألا تتحول المعرفة إلى لغة مغلقة لا يفهمها إلا أصحاب الاختصاص، وألا تكتسب السلطة حقاً نهائياً في تحديد ما يجوز للمجتمع أن يفكر فيه. فالمعرفة التي لا تقبل النقد تفقد قدرتها على التجدد، والمثقف الذي لا يسائل موقعه داخل علاقات القوة قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من آليات الهيمنة. أما الفكر الذي يربط النقد بالتاريخ، والمعرفة بالمجتمع، والحرية بالعدالة، فيظل قادراً على فتح أفق جديد لفهم الواقع وتغييره.



