هيفاء آل الحسن، باحثة سورية تقيم في ألمانيا
أحداث العنف في الشارع الفرنسي مناسبة للعودة إلى بعض الكتاب التي تطرقت إلى تحولات الحداثة والرأسمالية، ومنها هذا الكتاب المهم للمفكر وعالم الاجتماع الألماني إنغولفور بلودورن، يحلل من خلاله التحولات الجذرية التي تمر بها المجتمعات الغربية الحديثة، مبيناً أن التغير الاجتماعي والمعرفي الحاصل جعل مشروع الحداثة بصيغته الحالية (الحداثة الثانية) غير قابل للاستمرار وأننا نمر بمرحلة انتقالية تمهد لظهور حداثة (ثالثة) مختلفة كلياً.
يرى بلودورن أن المبادئ التي قامت عليها الحداثة الثانية، أي مشروع الحداثة مابعد الصناعية، مثل قيم الاستدامة البيئية والاجتماعية والتحرر الذاتي والديمقراطية، قد استنفدت نفسها بنيوياً، وأن المشروع “البيئي التحرري للحداثة” الذي ساد في العقود الماضية عفا عليه الزمن ولم يعد قادراً على تقديم حلول. فالحداثة الثالثة التي تلوح في الأفق هي حداثة مختلفة تعيد صياغة هذه القيم الأساسية أو تستبدلها بشكل جذري لتتناسب مع واقع مجتمعي لم يعد يلتزم بالضرورة بالمعايير البيئية أو الديمقراطية التقليدية.
ويجادل بلودورن بأن الرأسمالية المتأخرة لم تنهار كما افترض هابرماس، بل أظهرت قدرة هائلة على التكيف، فصارت “رأسمالية مرنة” قادرة على امتصاص الأزمات البيئية وتحويلها إلى فرص للربح، سواء عبر الرأسمالية الرقمية أو الرأسمالية الخضراء، ولكن هذا التكيف حدث غالباً على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويشير إلى صعود “الواقعية الرأسمالية” التي تستطيع الاستمرار والازدهار حتى في ظل غياب الشرعية الديمقراطية، كما هو الحال في النموذج الصيني.
ولعل أكثر أفكار الكتاب جرأة هي ما يسميه بلودورن الكارثة التحررية، حيث يشير بلودورن إلى أن التحول الذي طرأ على معنى التحرر باتجاه الفردانية المطلقة -بدلاً من السعي الجماعي لحياة جيدة للجميع- أدى في الحداثة المتأخرة إلى تآكل القواعد والالتزامات الأخلاقية تجاه البيئة والمجتمع. كما أن الذات الكانطية التي قامت عليها الحداثة -الذات العقلانية المستقلة- قد تآكلت في الحداثة المتأخرة؛ أي أن هذه الذات تعبت وأصبحت تفوض قراراتها للخوارزميات أو القادة الشعبويين، وهو ما يسميه “تجاوز الذات المستقلة”.
النتيجة، وفق بلودورن هي إنسداد تاريخي يتطلب شجاعة للاعتراف بأن مشروع الحداثة بصيغته الحالية غير قابل للاستمرار، وأن المبادئ والقيم الحالية غير مستدامة، وأن شكل المجتمع القادم قد يكون أقل ديمقراطية وأقل التزاماً بالمعايير التي نعرفها اليوم.



