الرئيسيةرأياليسار والمسألة الأمازيغية: نقطة نظام

اليسار والمسألة الأمازيغية: نقطة نظام

خالد أورحو

بداية، أؤكد احترامي لمشروع تحالف اليسار، وللحلم السياسي الذي راهن عليه كثيرون باعتباره أفقا للديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. غير أن الوفاء للأفكار لا يعني الصمت عن تناقضاتها، والحرص على وحدة الصف ولو في بعده الهولامي الجمعي لا يقتضي غض الطرف عن بعض الأمور، فبعض من المصارحة، وإن كانت مرة، أرحم من مجاملة تبقي الود معلّقا على حبال الشعارات.

أيها الرفاق، إن القضية الأمازيغية ليست تفصيلا ثقافيا زائدا في هامش المشروع الديمقراطي، ولا ملفا مؤجلا إلى حين انتهاء المعارك التي يختار البعض، وحده، ترتيب أولوياتها. إنها قضية هوية وكرامة وحقوق، وجزء أصيل من معركة التحرر من الهيمنة، بكل أشكالها وتجلياتها. فلا معنى لتحرر اجتماعي يتسع للطبقات ويضيق بالهويات، ولا جدوى من مقاومة الهيمنة الخارجية إذا كنا نمارس، في الداخل، وصاية على الناس، ونرسم لهم حدود ما يحق لهم أن يكونوه، وما ينبغي عليهم أن يعتقدوه، واللغة التي يسمح لهم أن يفتخروا بها.

والأغرب أن بعض الرفاق الذين يفترض أنهم تشبعوا بقيم النقد والتحرر، يستسهلون تخوين النشطاء الأمازيغ، ورميهم بتهم من قبيل “التصهين” أو “التمزغ”، وكأن الدفاع عن الأمازيغية أصبح جريمة سياسية لا يغفرها إلا إعلان الولاء لمرجعية إيديولوجية بعينها. وهنا تبلغ المفارقة مداها، فكيف لمن يرفع راية التحرر من الوصاية أن يتحول إلى وصي على قناعة الآخرين؟ وكيف لمن يتغنى بالمساواة أن ينصب نفسه حارسا على الهوية، يوزع صكوك الوطنية والنضال، ويصنف الناس بين رفاق يستحقون الاحترام وآخرين يستحقون التخوين؟

يبدو أن بعضهم فهم اليسارية على أنها امتياز يمنح صاحبه حق محاكمة الآخرين، لا التزاما يفرض عليه مراجعة ذاته أولا ، وأن ترديد مفردات التحرر يغني عن ممارسته، بحكم الضرورة الإيديولوجية، بل والأكثر إثارة للاستغراب أن يجد تحالف اليسار، في مواجهة اليمين بمختلف تلويناته وتشكيلاته، مساندة تلقائية من مناضلين في الحركة الديمقراطية الأمازيغية، انطلاقا من تقاطع المصالح، ثم لا يتردد بعض المنتسبين إلى اليسار في مكافأة هذا الدعم بخطاب إقصائي وعنصري، كلما تجرأ هؤلاء المناضلون والنشطاء على ممارسة حقهم في النقد والاختلاف.

فبمجرد أن أبدى بعض المدافعين عن الأمازيغية تحفظهم على ما صدر عن أحد نواب التحالف خلال مناقشة مشروع قانون المالية بمجلس النواب، انطلقت آلة التصنيف والتخوين، وكأن مساندة تحالف سياسي تعني التنازل عن حق النقد، وكأن التحالفات الديمقراطية عقود ولاء وإذعان أبدي، لا علاقات تقوم على المساءلة والاختلاف.

إن مثل هذه الممارسات لا تكشف عن أزمة في العلاقة بين اليسار والحركة الأمازيغية فحسب، بل تفضح ارتباكا في فهم بعضهم لمعنى التحالف. لان هذا ليس شيكا على بياض، والمساندة ليست تفويضا مطلقا، والاختلاف ليس خيانة. وإذا كان تحالف اليسار يطمح إلى أن يكون قوة ديمقراطية حقيقية، فعليه أن يدرك أن المغاربة لا يحتاجون إلى من يمنحهم الإذن بامتلاك هويتهم، بل إلى مشروع سياسي يعترف بهويتهم، ويصون حقهم في التعبير عنها.

إن بعض المتياسرين، بهذا السلوك، لا يسيئون إلى الحركة الأمازيغية بقدر ما يسيئون إلى اليسار نفسه، ويقدمون خدمة مجانية لخصومه. فهم، بدل أن يوسعوا دائرة النضال الديمقراطي، يضيقونها؛ وبدل أن يبنوا جسور الثقة مع القوى المدافعة عن الهوية المغربية الأصيلة، يضعون المتاريس أمامها؛ وبدل أن يجعلوا من الاختلاف مصدرا للإغناء السياسي، يحولونه إلى محكمة تفتيش إيديولوجية، لا يحتاج دخولها إلى حجة بقدر ما يحتاج الخروج منها إلى تهمة جديدة.

لا يمكن بناء مشروع ديمقراطي على أساس أن هوية المغاربة قابلة للاعتراف المشروط، ولا أن الحقوق اللغوية والثقافية تُمنح بحسب درجة القرب من هذه المرجعية أو تلك. كما لا يمكن مواجهة نزعات تمجيد المشرق على حساب الخصوصية التاريخية والحضارية للمغرب بمجرد استبدال وصاية بأخرى، أو برفع شعارات تقدمية تخفي وراءها تصورا أحاديا للإنسان والمجتمع والوطن.

وللتوضيح، فإن الدفاع عن الأمازيغية ليس اصطفافا آليا مع اليمين، كما أن نقد اليسار لا يعني التخلي عن المشروع الديمقراطي. تلك ثنائيات مريحة لمن لا يريد بذل عناء التفكير، لأنها تختزل المشهد في معادلة كسولة، إما أن تكون معنا في كل شيء، وإما أن تكون ضدنا. والحال أن النضال الديمقراطي لا يستقيم إلا بالقدرة على التمييز بين المبادئ والأشخاص، وبين التحالف والتبعية، وبين النقد والعداء.

أيها الرفاق، إن اليسارية ليست لقبا يُعلق على الصدور، ولا بطاقة حصانة ضد النقد، ولا منصةً لإلقاء الدروس على الآخرين. إنها موقف أخلاقي وسياسي يُقاس بمدى الالتزام الفعلي بالحرية والمساواة والكرامة، وبالقدرة على مقاومة الهيمنة، حتى حين تصدر عن الدائرة التي ننتمي إليها.

وإذا كان تحالف اليسار يريد أن يكسب ثقة المغاربة، فعليه أن يبرهن على أن دفاعه عن الديمقراطية ليس انتقائيًا، وأن اعترافه بالتعدد ليس مجاملة ظرفية، وأن مناهضته للإقصاء لا تتوقف عند حدود الخصوم السياسيين. فتمغربيت ليست ملكا لتيار دون آخر، ولا امتيازا؛ إنها انتماء تاريخي وجغرافي وحضاري مشترك، لا يحق لأحد أن يحتكره أو يفرض على الآخرين صيغة وحيدة للتعبير عنه.

إننا لا نطالب اليسار بأن يتخلى عن قناعاته، بل نطالبه بألا يحّلها إلى قيود على قناعات الآخرين. ولا نطلب منه أن يتفق مع كل أطروحات الحركة الأمازيغية، بل أن يعترف بحقها في الوجود والنقد والدفاع عن مطالبها دون تخوين أو تشهير. فالديمقراطية ليست أن نتفق جميعا، بل أن نختلف دون أن ينصب أحد نفسه قاضيا على وطنية الآخر أو نزاهة نضاله.

وفي النهاية، لعل بعض الرفاق يحتاجون إلى تذكير بسيط: ليس كل من انتقد اليسار يمينيًا، وليس كل من دافع عن الأمازيغية متآمرا، وليس كل من رفض الوصاية واقعا في أحضان الصهيونية. أحيانا، لا يكون المتهم في حاجة إلى تبرئة نفسه، بقدر ما يكون في حاجة إلى مراجعة قاموسه السياسي، وربما إلى شيء من التواضع النضالي الذي يبدو أن كثرة الشعارات قد حجبته عنه.

فمن يرفع شعار التحرر ثم يضيق بالاختلاف، ومن يتغنى بالمساواة ثم ينكر الحقوق الأمازيغية، ومن يدعو إلى الديمقراطية ثم يمارس التخوين عند أول اعتراض، لا يحمي اليسار من خصومه، بل يضعه في مواجهة تناقضاته.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب اليسار ليس أن يختلف معه الآخرون، بل أن يظن أن امتلاكه للحقيقة يمنحه الحق في الوصاية عليهم. فالتحرر الذي لا يتسع للأمازيغية ليس تحررا، واليسار الذي يخاف من النقد ليس يسارا واثقا من مبادئه، والتحالف الذي لا يحتمل الاختلاف ليس تحالفا ديمقراطيا، بل مجرد اتفاق مؤقت قد ينتهي في أي لحظة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات