عز الدين بونيت
هل الهمزة حرف حاسم في اللغة العربية؟ اكتشفت في اليومين الماضيين أن المغاربة أصبحوا فجأة غيورين على حرف الهمزة، يبحثون عنه في خطاب رئيسة الحكومة، ومنهم من يندب حظ هذا الحرف العاثر. ويتساءل كيف سيقضي السنوات الخمس القادمة بدون همزة تلعلع من اعلى منصة الخطابة داخل البرلمان. وقد بلغ الأمر بالرئيسة الموقرة أن اضطرت الى الرد على منتقدي ابتلاعها للهمزة، حتى قبل أن يتم تنصيبها، فقالت إنها جاءت إلى رئاسة الحكومة ليس من اجل عيون الهمزة والتاء، وانما من اجل قضايا أكثر إلحاحا، بل إنها لاذت بلكنتها المراكشية لتوضح للخائفين من اختفاء الهمزة أن المراكشيين لا ينطقون شيماء، بل فقط شيما.
لماذا لا يبدي الغيورون على همزة رئيسة الحكومة، الغيرة ذاتها وهم يتلون القرأن برواية ورش عن نافع التي لا تلفظ فيها الحروف المهموزة بل تحول الى مدود، وهي تلاوة اختارها المغاربة منذ قرون، وقالوا إنها توافق تلاوة أهل المدينة المنورة في الأزمنة الغابرة.
كأن من المفروض ألا يستنفر أحد في المغرب لاختفاء همزة رئيسة الحكومة، ما داموا لا يسألون أبدا أين اختفت همزات النص القرآني على ألسنة قراء المغرب طيلة كل هذه القرون التي استقرت فيها تلاوتهم للقرآن. وكأن من المفروض ألا يقلقوا من غياب هذه الهمزة التي يبدو إنها غير حاسمة في اللغة العربية، بشهادة غيابها عن تلاوة المغاربة للقرآن.
ما عدا الهمزة، فأنا لا أوافق السيدة الرئيسة، ومعظم السياسيين المغاربة، في تقليلهم من أهمية تقوية قدراتهم ومهاراتهم الخطابية. فالسياسة لا تجرى فقط في المكاتب المغلقة ولا على طاولات المفاوضات، أو من خلال المكالمات الهاتفية، فحسب، بل تجرى أيضا، وأساسا، من خلال مواجهة الجماهير وتأطيرها وتعبئتها واقناعها. وهذا ليس له أي طريق آخر غير الخطابة.
وحري بسياسيينا أن ينتبهوا إلى أن الاستخفاف بقدرتهم على التحكم في اللغة التي يستعملونها في التواصل الجماهيري، مكلف سياسيا. حيث يؤدي إلى إضاعة نصيب هام من الرأي العام. وحري بهم أن يفهموا أن عدم التمكن من ناصية اللغة العربية المعيارية، بالذات، يفوت عليهم فرصا كبيرة في تحقيق فعالية قصوى لمساعيهم التواصلية.
وحري بهم ألا يصدقوا بعض التجار المعطوبين فكريا الذين روجوا وهم أن التواصل الجماهيري الفعال في مجتمعنا هو ذلك الذي يتحقق باستعمال اللهجة العامية. هل يظن هؤلاء أن أوباما الساحر كأن يستعمل العامية الإنجليزية في خطاباته الموجهة للجماهير؟ وهل يظن أولئك أن ماكرون او شيراك يستعملان الفرنسية العامية في خطبهم؟ خطب هؤلاء تعتبر نصوصا أدبية غاية في الأناقة، مفعمة بالاقتباسات من مشاهير الخطباء المشهود لهم بالبلاغة.
العامية كطريق معبد الى الجماهير، وهم ينطلق من الزعم أن الناس لا يفهمون العربية المعيارية، وهذه اكذوبة يفندها كون جميع المغاربة يستمعون إلى نشرات الاخبار في القنوات المشرقية والمغربية بالعربية الفصحى ولا يشتكون من عدم الفهم. ويسمعون التعليق الرياضي على مباريات كرة القدم بالعربية المعيارية، بل يفضلونه على تعليق المعلقين المغاربة الذين يستعملون العامية.
ونستطيع أن نؤكد بحسم أن السياسي الذي يلقي خطابا محبوكا بالعربية المعيارية، وفق قواعد الخطابة يلقى الاحترام والإعجاب أكثر من سياسي يتوجه الى نفس الجمهور بالعامية. لأن استعمال العربية المعيارية مرتبط في الأذهأن بالجدية والرصانة والمصداقية، بينما يوحي استعمال العامية بالخفة وعدم الجدية. والدليل الساطع على عدم احترام من لا يتقن اللغة المعيارية هو هذا الانقضاض على رئيسة الحكومة التي ظهرت في أعينهم مرتبكة متهافتة لا تتقن العربية ولا توحي لهم بأي جدية، او قدرة على النجاعة.
ويكفي هؤلاء السياسيين وغيرهم من ضعاف اللغة العربية، أن يسترجعوا صور الزعماء المغاربة الذين كانوا يخاطبون الجماهير في العقود الأولى من الاستقلال بعربية معيارية قوية، وحققوا معها المعجزات. فهل يستقيم أن نعتبر أن مغاربة اليوم اقل قدرة على فهم العربية المعيارية، من مغاربة اوائل الاستقلال.



