بعد يومين من انطلاق المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة، تبدو العملية في مرحلة جسّ النبض وتحديد ملامح التوافقات أكثر من كونها دخلت مرحلة الحسم النهائي. ففاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، باشرت لقاءاتها بالأحزاب مباشرة بعد تكليفها، في مسار متسارع يهدف إلى استكشاف مواقف مختلف الفاعلين وبحث إمكانات بناء أغلبية حكومية جديدة.
اليوم الأول حمل لقاءات مع عدد من الأحزاب الرئيسية، بينها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، إلى جانب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، فيما اتسعت دائرة المشاورات في اليوم الثاني لتشمل الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، مع برمجة لقاءات مع أحزاب أخرى. ويعكس هذا البرنامج رغبة في الاستماع إلى مختلف المكونات البرلمانية قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الاتفاق على شكل الأغلبية وتركيبتها السياسية.
الملاحظ في هذه المرحلة أن النقاش المعلن لم ينتقل بعد إلى توزيع الحقائب الوزارية أو تقديم عروض تفصيلية للمشاركة، إذ تفيد معطيات صحفية بأن الجولة الأولى ركزت أساساً على استطلاع المواقف وبحث فكرة تشكيل أغلبية منسجمة وقادرة على مواجهة التحديات المقبلة. وهذا يجعل الحديث عن هندسة نهائية للحكومة سابقاً لأوانه، خصوصاً أن عدداً من الأحزاب لا يزال بصدد استكمال نقاشاته الداخلية.
وفي موازاة الحسابات العددية، بدأت تتضح ملامح أخرى للنقاش، تتعلق بالبرنامج الحكومي والأولويات الاجتماعية والاقتصادية. فقد أكد الأمين العام للاتحاد الدستوري محمد جودار، عقب لقائه بالمنصوري، أن التشغيل، وخاصة تشغيل الشباب، والقدرة الشرائية والتعليم والصحة كانت من بين الملفات التي طُرحت باعتبارها أولويات ينبغي أن تحضر في البرنامج الحكومي المقبل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن تشكيل الحكومة لا يتعلق فقط بتجميع عدد كاف من المقاعد داخل البرلمان، وإنما بصياغة أرضية سياسية تستطيع الأحزاب المشاركة الدفاع عنها أمام الرأي العام. فالفترة المقبلة تضع الحكومة أمام ملفات اجتماعية واقتصادية ضاغطة، بالتوازي مع استحقاقات وطنية كبرى، وهو ما يجعل البرنامج الحكومي جزءاً أساسياً من التفاوض وليس مجرد وثيقة لاحقة لتشكيل الأغلبية.
أما على مستوى التموقعات، فقد أظهرت المشاورات الأولى أن الأحزاب لا تتعامل كلها بالطريقة نفسها مع فكرة المشاركة. ففي الوقت الذي تبدو فيه بعض القوى منفتحة على الانخراط في الحكومة، تظل مواقف أخرى مرتبطة بقرارات مؤسساتها الداخلية أو بتحديد موقعها في المعارضة. ويبرز هنا حزب العدالة والتنمية، الذي ظل حاضراً في النقاش السياسي حول المشاورات، بينما استمر الترتيب للقاء معه ضمن أجندة الخميس قبل أن يعلن بنكيران يوم أمس الأربعاء عدم إجراء هذا اللقاء.
ومن زاوية أخرى، فإن سرعة المنصوري في إطلاق المشاورات تمنح المسار السياسي إيقاعاً واضحاً، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحسم سيكون سريعاً بالوتيرة نفسها. فبعد مرحلة الاستماع تأتي مرحلة التفاوض حول البرنامج، ثم التمثيلية داخل الحكومة، وأخيراً تثبيت الصيغة التي يمكن أن تضمن الانسجام داخل الأغلبية. وبين هذه المراحل يمكن أن تتغير مواقف الأحزاب وفق ما ستسفر عنه المفاوضات وقرارات هياكلها التنظيمية.
اللافت أيضاً أن المشاورات لم تُختزل في البحث عن أحزاب يمكن أن تشكل رقماً إضافياً داخل الأغلبية، بل اتخذت طابعاً أوسع يقوم على التواصل مع مختلف المكونات السياسية. وهذا يفتح سؤالاً موازياً حول طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الحكومة المقبلة والمعارضة، خصوصاً أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بانسجام الأغلبية، وإنما أيضاً بوجود معارضة قادرة على ممارسة أدوارها الدستورية في المراقبة والنقاش واقتراح البدائل.
وبذلك، يمكن اختصار خلاصة اليومين الأولين في أن المفاوضات الحقيقية بدأت، لكن لحظة الحسم لم تأت بعد. المنصوري فتحت قنوات التواصل مع الأحزاب، والأحزاب بدورها وضعت أولى أوراقها على الطاولة، فيما بدأت تتشكل عناوين البرنامج المقبل. أما السؤال المركزي في الأيام القادمة فلن يكون فقط من سيدخل الحكومة، وإنما على أي برنامج، وبأي صيغة سياسية، وبأي ضمانات للانسجام والاستقرار. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة المشاورات على تحويل نتائج الانتخابات إلى أغلبية سياسية وبرنامج حكومي قابل للتنفيذ.



