مقدمة: حدث عابر أم مؤشر على أزمة أعمق؟
في تطور لافت للمشهد السياسي المغربي، أعلن عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رفضه التوجه إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة للقاء فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة المكلفة بتشكيلها. وجاء هذا الموقف بعد مبادرة من المنصوري للتواصل مع بنكيران عبر القيادي عبد الله بوانو، وهو ما رحب به الأمين العام “من حيث المبدأ” احتراماً للتعيين الملكي وللصفة المؤسساتية، قبل أن يرفض مكان الاجتماع المقترح.
هذا الحدث، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد خلاف بروتوكولي حول مكان اللقاء، يحمل في طياته دلالات أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزبين، وباستراتيجية بنكيران في التعامل مع نتائج الانتخابات الأخيرة، وبمستقبل المشهد السياسي المغربي في ظل التحديات المطروحة.
أولاً: خلفيات الرفض ومبرراته
كشف بنكيران، في تصريح متلفز بثته قناة “Pjd Tv”، أن المبادرة إلى اللقاء جاءت من المنصوري، وأن الاتصال الهاتفي جرى في أجواء عادية، قبل أن تقترح الأخيرة عقد الاجتماع بمقر حزب الأصالة والمعاصرة. وأوضح أنه أبلغها بشكل مباشر أنه “لن يذهب إلى مقر البام”، مستحضراً تجربته عندما كان رئيساً للحكومة، حين كان يتوجه بنفسه إلى الشخصيات والقيادات الحزبية التي يرغب في التشاور معها، سواء في منازلها أو مقراتها.
واستشهد بنكيران بزياراته السابقة لعدد من الشخصيات السياسية، من بينها عبد الرحمن اليوسفي وعباس الفاسي والمحجوبي أحرضان ومحمد بنسعيد، فضلاً عن لقائه عبد الواحد الراضي عندما كان كاتبا أول للاتحاد الاشتراكي. غير أن هذا الاستحضار التاريخي يثير تساؤلات حول مدى ملاءمته للسياق الحالي، حيث أن بنكيران لم يعد رئيساً للحكومة، بل أميناً عاماً لحزب حلّ في المرتبة الرابعة، بينما المنصوري هي رئيسة الحكومة المعينة.
ثانياً: دلالات الموقف: بين البروتوكول والمزايدة
- الرفض كتعبير عن الاختلاف السياسي
إن رفض بنكيران التوجه إلى مقر “البام” يعكس معرفته المسبقة بأن مشروعه السياسي المحافظ لا يتوافق مطلقاً مع المشروع السياسي الحداثي للأصالة والمعاصرة. فالحزبان يقفان على طرفي نقيض في العديد من القضايا الجوهرية، وهو ما تجلى بوضوح في برنامجيهما الانتخابيين.
فقد أظهرت تحليلات البرامج الانتخابية تباعداً منهجياً واضحاً: فحزب الأصالة والمعاصرة يعتمد الترقيم المنهجي (350 مليار درهم، مليون منصب شغل، خفض البطالة إلى 7%، دعم اجتماعي 1000 درهم، معاش 3000 درهم، طاقات متجددة 52%)، بينما حزب العدالة والتنمية يرفض المزايدة الانتخابية ويفضل مقاربة كيفية غير مرقمة.
كما يتباين الحزبان جبائياً: فالأصالة والمعاصرة يقترح إصلاحاً عميقاً للضريبة على الدخل (ثلاث شرائح: 0%، 10%، 20%، وإعفاء لما دون 15000 درهم)، بينما العدالة والتنمية يستهدف الريع والاحتكارات (ضريبة على الشركات 10% للمقاولات الصغرى، وسعر أقصى لقطاعات المحروقات والاتصالات والإسمنت) دون المساس بالجدول العام.
- الرفض كتعبير عن “التدبير الميزاجي“
غير أن قراءة أعمق للموقف تكشف عن بعد آخر يتعلق بما يمكن تسميته “التدبير الميزاجي” لدى بنكيران، وهو أسلوب عُرف به يقوم على المزايدة وحقن القاعدة الانتخابية بمفهوم: “نحن فوق المشاورات وأرقامنا ونخوتنا تمنعنا من التنازل لزيارة رئيسة الحكومة المعينة في مقرها للتشاور”.
هذا الأسلوب، يستند إلى مرجعية تعلن أن “أنا الحق وأنا من على صواب فقط لأنني الحزب الوحيد الذي يعلن المرجعية الإسلامية كإطار للعمل السياسي وأنا من يحتكرها ودليلي عدد المقاعد التي أحصل عليها من الشعب دون رشوة”. وهو خطاب شعبوي يوظف مفهوم “النخوة” الذي لم يُذكر بتاتاً في القرآن الكريم، في مقابل خطاب تأصيلي وتأطيري ينتظره المغاربة من حزب يصطف في المعارضة.
- الرفض كدلالة على الرفض النفسي للنتائج
يشير الموقف أيضاً إلى ما يمكن وصفه بالرفض النفسي لنتائج الانتخابات. ففي الساعات الأولى للإعلان عن النتائج، كان قياديو الحزب يعلنون أنهم متقدمون في جل الدوائر التي توصلوا بنتائجها، قبل أن تتضح الصورة النهائية ويحل الحزب في المرتبة الرابعة.
هذا السلوك لا يبنى على الحسم في التموقع في المعارضة، إذ لا معنى أن تعلن أنك تتموقع في المعارضة وأنت تعرف مسبقاً أنه لا حظ لك للتواجد ضمن الأغلبية. بل أكثر من ذلك، فقد بنكيران رصيده من التعبئة الذي راكمه خلال فترة رئاسة الحكومة، حيث تعود على الحديث مع المغاربة بأقل جهد ممكن في التأصيل الفقهي لمواقفه.
ثالثاً: ما كان منتظراً من بنكيران
في ظل التحديات المطروحة أمام الحكومة المقبلة، كان المغاربة ينتظرون من رئيس حكومة سابق كلاماً موزوناً يستبطن تحليلاً رصيناً وتصريحات هادئة نفهم من خلالها أبعاد المصلحة العليا للبلد وكيف يقرؤها حزبه. كان الاصطفاف في المعارضة يتطلب قراءة برنامجية لأوجه الاختلاف بينه وبين حزب رئيسة الحكومة المقبلة، بدلاً من الاقتصار على المزايدات البروتوكولية.
وكان يمكن لبنكيران أن يقدم خطاباً يعمق التباعدات الجوهرية بين المشروعين، ومنها:
- التباعد المنهجي: بين الترقيم المنهجي عند الأصالة والمعاصرة والرفض الصريح للمزايدة عند العدالة والتنمية.
- التباعد الجبائي: بين إصلاح الضريبة على الدخل عند الأصالة والمعاصرة واستهداف الريع والاحتكارات عند العدالة والتنمية.
- التباعد الاجتماعي: بين التحويلات المالية المباشرة عند الأصالة والمعاصرة وتحديد سقف ما يتحمله المواطن وإرجاع حقوق المستفيدين السابقين من الراميد عند العدالة والتنمية.
- التباعد في السياسة الخارجية: بين غيابها عن برنامج الأصالة والمعاصرة وحضورها المفصل والملتزم عند العدالة والتنمية (دعم فلسطين، رفض التطبيع، التأكيد على حق المغرب في سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، وإنعاش اتحاد المغرب العربي).
- التباعد الهوياتي والمجتمعي: بين إبراز الأمازيغية (صندوق بقيمة ملياري درهم) وميثاق الدولة-الشباب عند الأصالة والمعاصرة، وترسيخ الهوية الإسلامية والنهوض بالأسرة والوساطة الإلزامية في النزاعات الأسرية عند العدالة والتنمية.
رابعاً: خلاصة: مشروعان متمايزان
هذه التباعدات ترسم مشروعين مجتمعيين متمايزين: أحدهما حداثي وتقني ومرقم؛ والآخر هوياتي واجتماعي وكيفي. وهي تباعدات كان يمكن أن تشكل أساساً لخطاب معارضة مؤسس وبرنامجي، بدلاً من الاقتصار على رفض بروتوكولي لمكان اجتماع.
لقد تعود بنكيران على مخاطبة المغاربة بأقل جهد ممكن معتمداً على القفشات، فهل هذه المنهجية سوف تسعفه في إقناع الطبقة السياسية التي صوتت على خصومه من الأحزاب؟ ربما نتائج الانتخابات الحالية تنسي درس 2021.
خاتمة: سؤال المستقبل
يُبقي بنكيران الباب مفتوحاً أمام اجتماع لاحق مع رئيسة الحكومة، بعد استكمال تشكيل الحكومة وتنصيبها في البرلمان، إذا ظلت لديها رغبة في التواصل معه. ويؤكد أن الخلاف بين الطرفين سياسي وليس شخصياً، وأن حزب العدالة والتنمية يعتبر نفسه خصماً سياسياً لحزب الأصالة والمعاصرة، وليس في حالة عداء معه.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيكتفي بنكيران بخطاب المزايدة والرفض البروتوكولي، أم أنه سيرتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية لحزب له وزن انتخابي معتبر، فيقدم خطاباً تأصيلياً وتأطيرياً لاصطفافه في المعارضة، يستند إلى قراءة برنامجية لأوجه الاختلاف الجوهرية بينه وبين الحكومة المقبلة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.
بقلم : علي الأنصاري



