الرئيسيةأخبار دوليةاحتجاجات التلاميذ تتمدد في فرنسا.. والحكومة تبحث عن مخرج من أزمة متصاعدة

احتجاجات التلاميذ تتمدد في فرنسا.. والحكومة تبحث عن مخرج من أزمة متصاعدة

دخلت احتجاجات تلاميذ الثانويات في فرنسا مرحلة جديدة، بعدما تحولت التعبئة التي بدأت في سبتمبر إلى حركة وطنية واسعة شارك فيها، إلى جانب التلاميذ، طلبة وأساتذة وآباء ومتعاطفون، فيما وجدت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو نفسها أمام ضغط متزايد لاحتواء الأزمة وفتح مسار للحوار.

وشهدت فرنسا، الثلاثاء 6 أكتوبر، أكبر موجة احتجاجات منذ انطلاق الحركة، حيث أعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 266 ألف شخص في المظاهرات عبر مختلف أنحاء البلاد، بينهم حوالي 56 ألفاً في باريس. في المقابل، قدرت التنظيمات التلاميذية والطلابية عدد المشاركين بنحو 450 ألف شخص، بينهم 100 ألف في العاصمة. ويعكس الفارق بين الرقمين اختلافاً واضحاً بين التقدير الرسمي وتقديرات منظمي التعبئة.

وتتمحور مطالب المحتجين أساساً حول أوضاع التعليم العمومي، وفي مقدمتها نقص المدرسين، واكتظاظ الأقسام، وتدهور البنيات والتجهيزات المدرسية، وطول ساعات الدراسة، إضافة إلى المطالبة بإصلاحات مرتبطة بمنصة Parcoursup الخاصة بالولوج إلى التعليم العالي.

وتؤكد منظمة العفو الدولية أن الحركة، التي بدأت في 21 سبتمبر، رفعت مطالب مرتبطة بالحق في التعليم، من بينها زيادة أعداد المدرسين، وتخفيف الاكتظاظ، وتحسين ظروف المؤسسات التعليمية.

ومع اتساع الحركة، انضم إليها طلبة جامعيون وأولياء أمور وأطر تربوية ونقابات، ما جعلها تتجاوز تدريجياً إطار الاحتجاجات المحلية المرتبطة بالثانويات.

وتزامن اتساع التعبئة مع تصاعد التوتر في عدد من المدن الفرنسية.

وبحسب وزارة الداخلية، تم توقيف 488 شخصاً خلال مظاهرات الثلاثاء 6 أكتوبر، فيما أصيب 43 من أفراد قوات الأمن. كما أعلنت الوزارة أن إجمالي التوقيفات المرتبطة بالحركة منذ 28 سبتمبر بلغ 6,547 شخصاً.

وشهدت بعض الاحتجاجات مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، استُخدمت خلالها وسائل لتفريق الحشود، فيما أثارت طريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات انتقادات من منظمات حقوقية.

وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت السلطات الفرنسية إلى تهدئة التوتر وضمان الحق في التجمع السلمي، معتبرة أن بعض التدخلات الأمنية خلال الأيام السابقة كانت، بحسب تقييمها، غير متناسبة. كما أشارت المنظمة إلى أن وزارة الداخلية أعلنت توقيف أكثر من 5,000 متظاهر قبل احتجاجات 6 أكتوبر، وأن 85 في المائة منهم قاصرون.

وفي المقابل، تؤكد السلطات الفرنسية أن الانتشار الأمني مرتبط بأعمال عنف وتخريب وقعت في بعض مواقع الاحتجاج، وأن تدخل قوات الأمن يستهدف حماية الأشخاص والممتلكات.

أمام اتساع الحركة، بدأت الحكومة الفرنسية في فتح مسارات جديدة للحوار مع التلاميذ.

وأعلنت وزارة التربية الوطنية عن إطلاق استشارة وطنية للتلاميذ عبر منصة «Agora»، تستمر إلى غاية 23 أكتوبر، بهدف جمع شكاوى التلاميذ وانتظاراتهم ومقترحاتهم بشأن تحسين ظروف الدراسة والحياة المدرسية.

كما أعلنت الحكومة، ابتداء من الأربعاء 7 أكتوبر، تخصيص نصف يوم داخل جميع الثانويات للحوار والديمقراطية المدرسية، بهدف إتاحة المجال للتلاميذ للتعبير عن الصعوبات التي يواجهونها ومقترحاتهم.

وأكدت وزارة التربية أن هذا الإجراء لا يعني تعليق الدراسة لثلاثة أيام، بل تخصيص نصف يوم للحوار، مع استمرار باقي الدروس وفق تنظيم كل مؤسسة.

ويأتي هذا الإجراء ضمن محاولة حكومية لنقل جزء من الأزمة من الشارع إلى المؤسسات التعليمية وفتح قناة مباشرة مع التلاميذ.

الأزمة لم تعد تقتصر على وزارة التربية، بل أصبحت قضية سياسية بالنسبة إلى حكومة سيباستيان لوكورنو.

ووفق ما أوردته صحيفة Le Monde، وجد رئيس الحكومة نفسه تحت ضغط سياسي متزايد، في ظل محدودية هامش المناورة المالية للحكومة وغياب أغلبية مستقرة في الجمعية الوطنية. كما أشارت الصحيفة إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون استدعى، مساء الثلاثاء، رئيس الحكومة والوزراء المعنيين بالأزمة إلى قصر الإليزيه عقب تصاعد الاحتجاجات.

وفي البرلمان، دافع لوكورنو عن الحاجة إلى انتشار أمني لمواجهة أعمال العنف، بينما اتهمته المعارضة بالتعامل الأمني المفرط مع احتجاجات يقودها في جزء كبير منها قاصرون.

وفي المقابل، يسعى رئيس الحكومة إلى تقديم الملف باعتباره أزمة قابلة للحل عبر الحوار وإجراءات عملية في قطاع التعليم.

وكان لوكورنو قد طلب من حكومته العمل على مجموعة من الأوراش المرتبطة مباشرة بالمطالب التي رفعها التلاميذ، من بينها تعويض المدرسين الغائبين، وتحسين المؤسسات التعليمية، ومراجعة تنظيم اليوم الدراسي، وتعزيز الشفافية بشأن Parcoursup، وإعطاء مساحة أكبر لصوت التلاميذ داخل المؤسسات.

غير أن الحكومة تواجه في الوقت نفسه قيوداً مالية وسياسية تحد من قدرتها على الاستجابة السريعة لجميع المطالب، خصوصاً أن جزءاً منها يتطلب موارد مالية إضافية واستثمارات في البنية التحتية والموارد البشرية.

ورغم الإجراءات الحكومية الجديدة، لا تبدو الأزمة محسومة.

فالحركة بدأت بمطالب مرتبطة مباشرة بظروف الدراسة، لكنها أصبحت تستقطب دعماً من شرائح اجتماعية مختلفة، الأمر الذي يوسع نطاقها ويجعل مسارها خلال الأيام المقبلة مرتبطاً بقدرة الحكومة على تقديم إجراءات ملموسة وليس فقط فتح قنوات للحوار.

وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة عن الاستشارة الوطنية ونصف يوم الحوار داخل الثانويات، بينما يواصل المحتجون المطالبة بإجراءات عملية لتحسين التعليم وظروف الدراسة.

ومن المقرر أن يتحدث رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو مساء الأربعاء 7 أكتوبر في خطاب من ماتينيون، في وقت تشمل فيه القضايا المطروحة إلى جانب احتجاجات التلاميذ ملفات أخرى، بينها أسعار الوقود والأزمة الزراعية والدين العام.

وهكذا تدخل فرنسا مرحلة دقيقة من الأزمة: الشارع يطالب بإجراءات ملموسة، والحكومة تحاول فتح باب الحوار، فيما يبقى العامل الأمني والسياسي حاضراً بقوة في المشهد.

وتظل التطورات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الاستجابة الحكومية ستنجح في احتواء الحركة داخل المؤسسات التعليمية، أم أن التعبئة ستواصل اتساعها خارج أسوار المدارس.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات