في خضم المشاورات السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة المقبلة، عاد حسن بنعدي، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى واجهة النقاش السياسي، مقدماً قراءة شخصية لمسارات التحالف الممكنة وللشروط التي يرى أنها ينبغي أن تحكم تركيبة السلطة التنفيذية المقبلة.
بنعدي، الذي حل ضيفاً على برنامج «L’Info en Face» على قناة Matin TV، اعتبر أن وصول حزب الأصالة والمعاصرة إلى موقع المسؤولية الحكومية يمثل محطة مهمة في مسار حزب ساهم في تأسيسه سنة 2008، لكنه شدد في المقابل على أن الوصول إلى الحكومة لا يمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة أكثر صعوبة تتعلق بالقدرة على الإنجاز وتحقيق النتائج.
وقال بنعدي إن الحزب، بعد أن قطع جزءاً من الطريق السياسي، مطالب الآن بـ«إكمال الطريق»، مستعيداً التعبير الرياضي القائل بضرورة «تحويل المحاولة إلى نقطة»، في إشارة إلى أن الفوز السياسي وتشكيل الأغلبية لا يكفيان وحدهما للحكم على نجاح التجربة الحكومية.
وفي قراءته للائتلاف الحكومي المحتمل، عبّر الأمين العام الأسبق لـ«البام» عن ارتياحه لفكرة التقارب مع الأحزاب المنحدرة من تجربة الكتلة الديمقراطية، ولا سيما حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.
كما أبدى انفتاحاً على إمكانية إشراك الحركة الشعبية في هذا التصور، بالنظر، وفق قراءته، إلى صلاتها التاريخية بالحركة الوطنية.
وأكد بنعدي أن هذا الموقف يعبر عن رأيه الشخصي، مشدداً على أنه لا يشارك في المفاوضات الجارية بشأن تشكيل الحكومة ولا يتحدث باسم حزب الأصالة والمعاصرة.
ويرى بنعدي أن التقارب بين هذه الأحزاب لا ينبغي أن ينظر إليه فقط من زاوية الحسابات العددية داخل البرلمان، وإنما يمكن أن يستند أيضاً إلى امتداد تاريخي وسياسي مرتبط بالحركة الوطنية.
غير أنه حذر في الوقت نفسه من تحويل الرمزية التاريخية إلى بديل عن الأداء الحكومي، مؤكداً أن الرموز السياسية يمكن أن تكون مهمة، لكن » ما سيكون حاسماً هو العمل. «
وبالنسبة إلى بنعدي، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ بمجرد الإعلان عن الحكومة الجديدة، إذ يرى أن الرأي العام سيحكم عليها بسرعة، وأن الأسابيع الأولى ستكتسي أهمية خاصة في تشكيل الانطباع حول أدائها.
وفي هذا السياق، شدد على أهمية اختيار أعضاء الحكومة، داعياً إلى إعطاء الأولوية لـالنزاهة والكفاءة والصرامة وحسن السمعة.
وقال إن المسؤول الحكومي ينبغي أن يكون قادراً على ممارسة مهامه دون أن تتحول مسيرته أو صورته العامة إلى مصدر دائم للجدل، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة عدم تحويل الحياة السياسية إلى ما يشبه «محاكمة» للأشخاص.
كما دعا إلى البحث عن الكفاءات وعدم الاكتفاء بالأسماء التي تسعى تلقائياً إلى المناصب، معتبراً أن بعض أفضل المرشحين لتحمل المسؤولية قد لا يكونون بالضرورة الأكثر حضوراً في المشهد السياسي.
ومن بين الرسائل الأساسية التي حملها حديث بنعدي، دعوته الحكومة المقبلة إلى إعادة بناء قنوات التواصل المباشر مع المواطنين.
وانتقد ما اعتبره ضعفاً في التواصل السياسي خلال المرحلة الحكومية السابقة، داعياً السلطة التنفيذية الجديدة إلى الاستماع إلى المغاربة وإشراكهم في النقاش العمومي والإنصات إلى مطالبهم.
وبالنسبة إليه، فإن التواصل الحكومي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استراتيجية إعلامية، بل يجب أن يكون جزءاً من ممارسة سياسية تقوم على الحوار والاستماع والشرح وتقديم الحساب للرأي العام.
ويعتبر بنعدي أن هذا البعد سيكون مهماً بشكل خاص في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين وتزايد الاحتجاجات الاجتماعية، خصوصاً في صفوف الشباب.
وكان أكثر أجزاء الحوار حدة تلك المتعلقة بحزب التجمع الوطني للأحرار.
وأكد بنعدي أن موقفه الشخصي من الحزب لم يتغير، مذكراً بأنه سبق أن دعا في مرحلة سابقة إلى ابتعاد حزب الأصالة والمعاصرة عن التحالف الحكومي معه.
لكنه حرص، في الوقت نفسه، على التأكيد أن هذا الموقف شخصي ولا يمثل موقف الحزب أو قيادة المفاوضات الحكومية.
ووصف بنعدي التحول الذي يقول إنه لاحظه في صورة التجمع الوطني للأحرار خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بما كان يعرفه عن الحزب في السابق، معتبراً أن الحزب كان يضم، في تقديره، شخصيات من الإدارة والاقتصاد وأعياناً محليين، قبل أن يرى في المرحلة الأخيرة مظاهر قال إنها تعكس، من وجهة نظره، نوعاً من «التعالي» على المواطنين.
وفي حديثه عن الجدل الذي رافق قضايا تضارب المصالح، حرص بنعدي على عدم إصدار أحكام قضائية أو القطع بصحة الاتهامات المتداولة، مؤكداً أن حديثه سياسي بالأساس، وأنه لا يصدر إدانة بحق أي طرف.
كما استخدم تعبير»الأوليغارشية« في وصف ما اعتبره تحولاً في طبيعة ممارسة السلطة داخل الحزب، وهي توصيفات تعكس، بحسب سياق الحوار، موقفه الشخصي ولا تمثل بالضرورة توصيفاً مؤسساتياً أو موقفاً رسمياً.
وبعيداً عن الحسابات الحزبية، أعاد بنعدي النقاش إلى ملف يعتبره أكثر إلحاحاً، يتعلق بمستقبل الشباب وبالأشخاص الذين يغادرون المدرسة دون الاندماج في التعليم العالي أو سوق الشغل.
ويرى أن المغرب تحدث طويلاً عن هذه الفئة دون أن تتحول النقاشات إلى حلول بالحجم المطلوب.
ودعا إلى التعامل مع الملف باعتباره أولوية وطنية، من خلال برامج واسعة تجمع بين التكوين والتشغيل وإعادة التأهيل.
ومن بين الأفكار التي طرحها توسيع برامج تعلم المعلوميات، وإعادة التأهيل المهني، وإطلاق أوراش وطنية يمكن أن تستوعب الشباب وتحقق في الوقت نفسه أهدافاً اقتصادية وبيئية، مثل برامج التشجير.
ويرى بنعدي أن معالجة هذه الإشكالية تقتضي الانتقال من السياسات العامة الموحدة إلى مقاربات تراعي خصوصيات الجهات وتحدد الفئات المستهدفة وحاجياتها بشكل أكثر دقة.
وفي ما يتعلق بالمعارضة، دعا بنعدي مختلف الأحزاب، ومن بينها حزب العدالة والتنمية، إلى ممارسة دورها المؤسساتي والديمقراطي، معتبراً أن من حق المعارضة أن تكون حازمة في مواجهة الحكومة.
لكنه دعا في المقابل إلى أن تظل المواجهة السياسية مسؤولة، وألا تتحول إلى سجالات أو صراعات يرى أنها لا تخدم النقاش العمومي.
واستخدم في هذا السياق استعارة رياضية للدعوة إلى تجاوز الانقسامات الحزبية عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية، قائلاً إن لكل طرف ألوانه وانتماءاته، لكن هناك لحظات تفرض، في نظره، تقديم «قميص المغرب«.
تكشف قراءة حسن بنعدي عن تصور يرى أن حزب الأصالة والمعاصرة يدخل، بعد 18 عاماً من تأسيسه، مرحلة مختلفة جذرياً عن مرحلة بناء الحزب والحضور في المعارضة والمنافسة الانتخابية.
فالوصول إلى موقع المسؤولية، وفق هذه القراءة، يضع الحزب أمام اختبار الأداء وليس فقط اختبار التحالفات.
كما أن نجاح الحكومة المقبلة لن يقاس، وفق المنطق الذي طرحه بنعدي، بعدد الأحزاب المشكلة للأغلبية فقط، وإنما بقدرتها على اختيار الكفاءات، والتواصل مع المواطنين، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وخصوصاً مطالب الشباب، وتحويل الوعود السياسية إلى نتائج ملموسة.
وفي ختام حديثه، عبّر بنعدي عن ثقته في فاطمة الزهراء المنصوري، واصفاً إياها بأنها تمتلك، في تقديره، «ذكاء العقل والقلب. «
وبذلك، فإن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من مواقف الأمين العام الأسبق لـ«البام» هي أن تشكيل الحكومة المقبلة قد يكون مجرد بداية للاختبار الحقيقي: اختبار قدرتها على بناء الثقة، وتقديم إجابات اجتماعية واقتصادية ملموسة، وإثبات أن الانتقال من موقع المنافسة السياسية إلى موقع تدبير الشأن العام يترجم إلى نتائج يشعر بها المواطن.



