إبراهيم مشكضيض
من يحاسب أثرياء التعريب الفاشل قبل البكاء على ملياري درهم للأمازيغية؟
حين يتعلق الأمر بملياري درهم لتفعيل رسمية الأمازيغية، يستيقظ فجأة حرّاس المال العام، وتعلو أصواتهم: “كان الأجدر بناء المستشفيات، ودعم العالم القروي، والاستثمار في التنمية البشرية!”
جميل جداً! لكن أين كانت هذه الغيرة على المال العام طوال عقود من سياسات التعريب؟ وأين كان هذا الحرص حين جرى توجيه موارد الدولة ومؤسساتها ومناهجها لخدمة اختيارات لغوية أحادية، على حساب لغة أمة أمازيغية ذات تاريخ عريق؟
«لماذا تُستحضر المستشفيات فقط حين يتعلق الأمر بالأمازيغية، ولا تُستحضر المحاسبة حين يتعلق الأمر بحصيلة السياسات التعريبية؟»
من يطالب بمحاسبة ملياري درهم، فليطالب أولاً بمحاسبة السياسات التي امتدت لعقود: كم أُنفِق على التعريب؟ ما حصيلته في جودة التعليم؟ ماذا حقق للبحث العلمي؟ أين نتائج الاستثمار في البحث التاريخي واللساني؟ ولماذا لا تزال أزمة التعليم قائمة رغم تعاقب الإصلاحات وتبدل السياسات؟
لا نحتاج إلى اتهامات مجانية، بل إلى الأرقام والوثائق والتقارير المستقلة. نريد كشف الميزانيات، ومقارنة الأهداف بالنتائج، وتحديد المسؤوليات. «فالسياسات القديمة ليست فوق المحاسبة لمجرد أنها قديمة، والأمازيغية ليست مطالبة بتقديم صكّ براءة قبل أن تستفيد من حق دستوري.»
ولنكن واضحين: نحن لا نضع العربية في مواجهة الأمازيغية، ولا نعارض بناء المستشفيات؛ بل نرفض استعمال معاناة الفقراء ذريعة لمحاصرة حقوقهم اللغوية والثقافية. فالمواطن الأمازيغي الذي يحتاج إلى مستشفى هو نفسه الذي له الحق في لغته، وفي تعليم جيد، وفي إدارة تحترم هويته.
ثم إن العربية ليست هي التعريب القسري، والدفاع عن لغة لا يبرر إقصاء لغة أخرى. المشكلة ليست في العربية، بل في تحويل سياسة لغوية إلى مشروع أحادي، ثم إعفائها من التقييم والمساءلة.
أما التنمية البشرية فلا تختزل في الإسمنت والمستشفيات؛ إنها تشمل التعليم والمعرفة والبحث العلمي والكرامة والولوج العادل إلى الخدمات. ولا يجوز أن يصبح المستشفى حجة ضد اللغة، بينما لا تصبح إخفاقات السياسات القديمة سبباً لمراجعتها.
قبل أن تبكوا على ملياري درهم للأمازيغية، افتحوا دفاتر التعريب!
حاسبوا السياسات، اكشفوا الميزانيات، قيّموا النتائج، واسألوا عن عقود من الاختيارات التي لم تحسم أزمة التعليم ولم تحقق النهضة العلمية المنشودة.
أما أن تُصبح المحاسبة واجباً حين يتعلق الأمر بالأمازيغية، وتصبح محرّماً حين يتعلق الأمر بالتعريب، فذلك ليس دفاعاً عن المال العام؛ بل ازدواجية في المعايير.
الأمازيغية ليست صدقة من الحكومة، بل لغة رسمية وحق دستوري. والمحاسبة حق للجميع، لا سلاح انتقائي ضد الأمازيغية!



