الرئيسيةأخبار دوليةتسوية نزاع الصحراء المغربية.. بين مركزية الحكم الذاتي ودينامية التفاوض الدولي

تسوية نزاع الصحراء المغربية.. بين مركزية الحكم الذاتي ودينامية التفاوض الدولي

منعطف استراتيجي في المسار الأممي

يشهد ملف الصحراء المغربية تطورات نوعية تعكسها مسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ومضامين الجولات التفاوضية الأخيرة. فقد انتقل النقاش الدبلوماسي من مربع عرض المواقف المتباينة إلى مرحلة بحث الأسس العملية للتسوية. وفي هذا السياق، تبرز مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، مدعومة بمشروع أساسي مطور، بوصفها المرجعية والأساس الحصري لأي تفاوض مستقبلي، مما يكرس واقعاً سياسياً وقانونياً جديداً على مستوى الشرعية الدولية.

1. إطار الحكم الذاتي: تأصيل قانوني ينسف التأويلات الظرفية

أثار ما ورد في تسريبات تقرير الأمين العام بشأن “الاستفتاء” و”المجلس الانتقالي” نقاشاً وتأويلات متعددة حاولت بعض الأطراف توظيفها لصالح دعاياتها. غير أن قراءة رصينة وموضوعية، مثل تلك التي قدمها السياسي وعضو المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، عادل ابن حمزة، تُبين بوضوح أن هذه العناصر ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء أصيل من جوهر المبادرة المغربية للحكم الذاتي لسنة 2007:

  • الاستفتاء كآلية ديمقراطية للتنفيذ: تؤكد الفقرة 27 من المبادرة أن طرح نظام الحكم الذاتي على السكان المعنيين يتم عبر استفتاء حر واستشارة ديمقراطية، تماماً كما تنص عليه القرارات الأممية كممارسة فعلية لحق تقرير المصير.
  • المجلس الانتقالي كأداة تدبيرية: تنص الفقرة 32 من المبادرة بوضوح على تشكيل مجلس انتقالي يضم ممثلي الأطراف، يتولى مهام حيوية تشمل تدبير عودة سكان المخيمات، ونزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج، إلى جانب مواكبة العمليات الانتخابية وتطبيق الحكم الذاتي.

وبناءً على ذلك، فإن مجرد الخوض في هذه الآليات ضمن التقرير الأممي يعكس، بشكل عملي، انخراط الأطراف الفعلية في تنزيل مقتضيات قرار مجلس الأمن (رقم 2797)، والتعامل الجدي مع المبادرة المغربية كقاعدة وحيدة للتفاوض، بغض النظر عن الخطابات الدعائية الموازية التي تتبناها جبهة البوليساريو داخلياً.

2. المقترح المغربي المطور: من الموقف السياسي إلى هندسة التفاوض

شهد مسار التفاوض خلال سنة 2006 نقلة نوعية تمثلت في إعداد الرباط لـ “مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي“ يطوّر المبادرة الأصلية لعام 2007. ولم يقتصر الأمر على تقديم تصور نظري، بل تم تقاسم هذه الوثيقة في يناير 2026 مع المبعوث الشخصي للأمين العام، والولايات المتحدة (باعتبارهما الرئيسين المشاركين للمفاوضات)، إضافة إلى الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.

وقد تميزت هذه الجولات بالتفاعل المباشر والإيجابي للوفد المغربي مع أسئلة وملاحظات المشاركين، مع إبداء استعداد تام لصياغة حل مشترك وملكيّة مشتركة لمسار التطوير والتنفيذ. هذا التحول يؤكد أن المقترح المغربي لم يعد مجرد عرض سياسي، بل أضحى وثيقة عمل حية لبناء هندسة توافقية للتسوية.

3. السقف الدولي وضمانات المرحلة الانتقالية

لا يطرح التقرير الأممي صيغة جاهزة ومكتملة، بل يفتح الباب أمام نقاشات دقيقة حول تفاصيل الصلاحيات والسيادة ومعايير الحكم الذاتي الحقيقي. وفي هذا السياق، وضع المبعوث الشخصي، ستافان دي ميستورا، إطاراً صارماً يستوجب استيفاء أي مقترح لأعلى المعايير الدولية، مع توفير ضمانات دولية قوية وإجراء مشاورات ذات مغزى مع سكان الإقليم.

وقد تجسدت هذه الدينامية في جولات واشنطن ومدريد عبر محاور جوهرية شملت:

  • دراسة إقامة مجلس انتقالي لإدارة العمليات الأمنية والسياسية والمصالحة.
  • إعداد مشروع اتفاق إطار لمرحلة انتقالية محتملة بتنسيق مشترك بين فرق الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما بمشاركة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
  • بلورة تسلسل تفاوضي متماسك: يبدأ بمبايعة المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات، يمر باتفاق إطار ومرحلة انتقالية، وينتهي بنموذج مفصل ومحكم للحكم الذاتي تحت مظلة الأمم المتحدة.

نحو واقعية سياسية تفضي إلى حل نهائي

يؤكد التقرير الأممي والمواقف المواكبة له أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة الحسم العملياتي. فتبني المجتمع الدولي لمبادرة الحكم الذاتي كمرجعية رئيسية، والانتقال نحو هندسة دقيقة للمرحلة الانتقالية وتفاصيل السيادة، يثبتان أن الطروحات الانفصالية المتجاوزة باتت خارج السياق الجيوسياسي والدبلوماسي الراهن. إن رهان المغرب اليوم يقوم على تثبيت مكاسبه الميدانية والدبلوماسية من خلال رؤية منفتحة على الحوار الجاد، شريطة أن تبقى في سقف السيادة الوطنية والوحدة الترابية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات