الرئيسيةالأولىالحكم الذاتي والجهوية المتقدمة في ضوء الخطاب الملكي: نحو تعزيز القرار الترابي

الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة في ضوء الخطاب الملكي: نحو تعزيز القرار الترابي

(إعداد: B20 PRESSE)

يشكل الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة مناسبة لاستحضار أهمية الجهوية المتقدمة في مسار الإصلاح المؤسساتي بالمغرب.

فقد أكد جلالة الملك محمد السادس ضرورة تعزيز التدبير الترابي، وربط التنمية المندمجة بتمكين الجهات من الاضطلاع بأدوارها في تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار.

ورغم أن الخطاب لم يتناول الحكم الذاتي بشكل مباشر، فإن مضامينه تفتح المجال لقراءة تحليلية بشأن توسيع صلاحيات الجهات وتعزيز قدرتها على تدبير شؤونها، مع التمييز بين الجهوية المتقدمة باعتبارها إطارًا دستوريًا لتنظيم التدبير الترابي، والحكم الذاتي باعتباره نموذجًا مؤسساتيًا مختلفًا من حيث الأساس القانوني وطبيعة الاختصاصات.

وفي هذا السياق، شدد الخطاب الملكي على أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، والوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها. ويعكس هذا التوجه أهمية اعتماد مقاربة تنموية تراعي الخصوصيات المحلية، وتجعل حاجيات المواطنين أساسًا لتحديد الأولويات والسياسات العمومية.

ومن أبرز التوجيهات الواردة في الخطاب الدعوة إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، من خلال نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات. ويؤكد هذا التوجه أن فعالية التدبير الترابي لا تتحقق بمجرد توزيع المسؤوليات، بل تستلزم توفير الإمكانات الضرورية لممارسة الاختصاصات وتنفيذ المشاريع.

كما دعا جلالة الملك إلى تجاوز العراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، عبر توضيح الاختصاصات وتعزيز الموارد البشرية والمادية. وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في بناء تدبير جهوي أكثر فعالية، يقوم على وضوح المسؤوليات، وتفادي تداخل الاختصاصات، وربط ممارسة الصلاحيات بالمحاسبة وتحقيق النتائج.

وتبرز أهمية تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات، من خلال آليات التنسيق والتعاقد، باعتبارها مدخلًا لتطوير الحكامة الترابية. فمن شأن هذا التنظيم أن يعزز قدرة المؤسسات الجهوية على تحديد أولوياتها واتخاذ القرارات المناسبة وتنفيذ برامجها، في إطار احترام القوانين المنظمة لاختصاصات مختلف المؤسسات.

 

ومن زاوية المقارنة المؤسساتية، تتقاطع بعض مضامين الخطاب مع مبادئ التدبير الذاتي للشؤون المحلية، خصوصًا ما يتعلق بتقريب القرار من المواطنين، ومراعاة الخصوصيات الترابية، وتوسيع مجال المبادرة المحلية. غير أن هذه التقاطعات لا تعني التطابق بين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي، ولا تسمح باعتبار الخطاب إعلانًا عن اعتماد نظام للحكم الذاتي.

ويرتبط نجاح الجهوية المتقدمة بقدرتها على تحقيق التنمية المتوازنة والعدالة المجالية، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوفير فرص الاستثمار والشغل. وهو ما يستدعي الانتقال من التوجيهات المؤسساتية إلى التنفيذ الفعلي، عبر تأهيل الكفاءات، وتوفير التمويل، وتعزيز المشاركة المواطنة، وإرساء آليات واضحة للتقييم والمساءلة.

إلى ذلك، يبرز الخطاب الملكي أهمية الانتقال نحو تدبير ترابي يمنح الجهات دورًا أكبر في اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع، ضمن الإطار الدستوري والقانوني للمملكة. ويظل الرهان الأساسي هو تحويل الصلاحيات والموارد إلى نتائج تنموية ملموسة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس العدالة المجالية، مع الحفاظ على التمييز القانوني والسياسي بين الجهوية المتقدمة ومفهوم الحكم الذاتي.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات