مع تسارع مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، بات سؤال مشاركة حزب الحركة الشعبية في الأغلبية الحكومية يحتل موقعاً مركزياً في النقاش السياسي والإعلامي. فالمعطيات الصحفية المنشورة خلال الأيام الأخيرة ترسم صورة متضاربة، بين من يتحدث عن خروج شبه مؤكد للحزب من التركيبة الحكومية المرتقبة، ومن يشير إلى أن المشاورات لم تُحسم بعد وأن الباب لا يزال مفتوحاً. وفي غياب إعلان رسمي يحسم الأمر، يبقى التمييز بين المؤشرات الصحفية والحقائق الثابتة ضرورة مهنية قبل أي استنتاج.
مشاورات بدأت باحتفاء… وانتهت إلى غموض
في الثلاثين من شتنبر 2026، استقبلت فاطمة الزهراء المنصوري قيادة حزب الحركة الشعبية في إطار جولة مشاورات تشكيل الحكومة. هذا اللقاء، الذي كان يُفترض أن يشكل نقطة انطلاق نحو تفاهم سياسي، تحول بعد أيام قليلة إلى نقطة غموض. فبدلاً من أن تتضح ملامح الاتفاق، بدأت التقارير الصحفية تتحدث عن جولتين من المشاورات لم تُفضيا إلى أي عرض رسمي مكتوب، وهو ما أثار تساؤلات حول حقيقة موقع الحزب في حسابات رئيسة الحكومة المكلفة.
غياب العرض الرسمي: مؤشر على تعثر التفاوض
أفادت «بلبريس» في الثامن من أكتوبر بأن مصدراً من داخل الحركة الشعبية أكد أن الحزب لم يتوصل بأي عرض رسمي للمشاركة في الحكومة، رغم عقد جولتين من المشاورات مع المنصوري. وأضاف المصدر ذاته أن الحزب لم يحسم بعد اختياره بين المشاركة في الأغلبية أو الانتقال إلى صفوف المعارضة. هذا المعطى، وإن كان صادراً عن مصدر حزبي غير رسمي، يكشف أن التفاوض لم يصل إلى مرحلة متقدمة، وأن العلاقة بين الطرفين لا تزال في طور التردد وليس في طور الاتفاق.
سيناريو حكومي لا يضم الحركة الشعبية
في السادس من أكتوبر، نشرت «صوت المغرب» تقريراً نقلاً عن مصدر قيادي داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أفاد بأن السيناريو المتداول في دوائر التفاوض لا يضع الحركة الشعبية ضمن التركيبة الحكومية المرتقبة. غير أن التقرير نفسه أشار إلى أن المنصوري التقت محمد أوزين في اليوم ذاته، وأن الموقف النهائي لم يُحسم رسمياً. هذا التناقض الظاهري بين استبعاد الحزب من السيناريو المتداول واستمرار اللقاءات مع قيادته يعكس حالة السيولة التي تعرفها المفاوضات، حيث لا يمكن اعتبار أي سيناريو نهائياً قبل الإعلان الرسمي عن تركيبة الأغلبية.
خلاف حول رئاسة مجلس النواب: نقطة اشتعال محتملة
أورد موقع «24 ساعة» في الثامن من أكتوبر، نقلاً عن مصادر وصفها بالمطلعة، أن المنصوري رفضت طلباً من محمد أوزين لمنح الحركة الشعبية رئاسة مجلس النواب، وأن هذا الخلاف قد يؤثر في ترتيبات مشاركة الحزب في الحكومة. وإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإنها تشير إلى أن التفاوض قد تجاوز مسألة المشاركة الحكومية إلى توزيع المواقع المؤسساتية، وهو ما يعقّد أي اتفاق محتمل. لكن يجب التأكيد أن هذه التفاصيل لم تجد تأكيداً مستقلاً أو إعلاناً رسمياً يحسم صحتها، ما يضعها في خانة المؤشرات الصحفية القابلة للنفي أو التأكيد.
مسودة البرنامج الحكومي: غياب دالّ
في تقرير أعادت منصة iNews نشر خلاصته يوم العاشر من أكتوبر تقريباً، نقلت «العمق المغربي» عن مصادر مقربة من مشاورات تشكيل الحكومة أن مسودة البرنامج الحكومي الجاري إعدادها لا تتضمن الحركة الشعبية. وإذا كان هذا المعطى صحيحاً، فإنه يشكل مؤشراً قوياً على أن الحزب خارج الحسابات الفعلية للأغلبية المرتقبة، وليس فقط خارج التصريحات الإعلامية. لكن يبقى هذا المؤشر وحده غير كافٍ لإثبات قرار نهائي باستبعاد الحزب، خاصة في ظل غياب أي إعلان رسمي عن تركيبة الأغلبية أو عن مضمون البرنامج الحكومي.
لماذا قد تجد الحركة الشعبية نفسها خارج الأغلبية؟
استناداً إلى هذه التقارير، يمكن تحديد ثلاثة تفسيرات محتملة لاحتمال بقاء الحركة الشعبية خارج الأغلبية الحكومية. التفسير الأول يتعلق بتركيبة الأغلبية نفسها، حيث تتحدث تقارير عن توجه نحو تحالف يضم حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، مع بحث إمكان توسيع الأغلبية بأحزاب أخرى. والتفسير الثاني يرتبط بشروط المشاركة وتوزيع المسؤوليات، إذ إن عدم الانتقال إلى عرض رسمي واضح يعني أن التفاوض لم يصل إلى اتفاق معلن بشأن مشاركة الحركة الشعبية وشروطها. أما التفسير الثالث فيتعلق بالمنافسة على مواقع المؤسسات، فإذا صحت المعلومات المتعلقة بطلب رئاسة مجلس النواب، فقد يكون التفاوض قد تجاوز مجرد المشاركة الحكومية إلى توزيع المسؤوليات داخل المؤسسات، وهو ما يحتاج إلى تأكيد من الطرفين.
الخلاصة: خارج الحسابات أم خارج الأغلبية؟
حتى الثاني عشر من أكتوبر 2026، تتجه المؤشرات الصحفية إلى أن حزب الحركة الشعبية يواجه احتمال البقاء خارج الحكومة المقبلة، خصوصاً في ضوء التقارير التي تحدثت عن غيابه عن السيناريو الحكومي المتداول وعن مسودة البرنامج الحكومي. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار استبعاده أمراً محسوماً من دون إعلان رسمي عن تركيبة الأغلبية أو موقف نهائي من الحزب. ومن المهم كذلك التمييز بين أن تكون الحركة الشعبية خارج حسابات الأغلبية التي يجري التفاوض بشأنها، وبين أن يكون الحزب قد اختار المعارضة بنفسه؛ فالمعطيات المنشورة لا تثبت أن الحزب اتخذ قراراً نهائياً من هذا النوع. ويبقى السؤال مفتوحاً حتى اللحظة الحاسمة التي يُعلن فيها عن التركيبة الحكومية النهائية.



