مقدمة: سياق التحول في القيادة العمومية
يتناول هذا المقال، الذي كتبه سعد بوعشرين (رئيس المعهد الدولي للحكامة)، التحولات العميقة التي تشهدها معايير القيادة العمومية في المغرب، وذلك من خلال تحليل مسار فوزي لقجع كنموذج كاشف لهذه التحولات. وينطلق المقال من اقتراب الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026، في سياق يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية، مما يفرض على المؤسسات العمومية متطلبات جديدة في التوجيه الاستراتيجي والأداء والقدرة على التكيف.
ويشير الكاتب إلى أن النقاشات حول تجديد النخب الحاكمة لم تعد تقتصر على توازنات القوى بين الأحزاب السياسية، بل أصبحت تتجاوز ذلك لتطرح تساؤلات حول المؤهلات المطلوبة لقيادة العمل العام بفعالية خلال العقد المقبل. وهذا التطور ليس خاصاً بالمغرب وحده، بل هو اتجاه دولي ناجم عن تعقيد السياسات العمومية، حيث تجاوزت تطلعات المواطنين اليوم الوعود الانتخابية المجردة لتركز على قدرة المسؤولين العموميين على قيادة الإصلاحات وتسيير منظمات معقدة وتنسيق فاعلين متعددين وتحقيق نتائج ملموسة.
تحولات القيادة العمومية: من الشرعية السياسية إلى الحكامة الاستراتيجية
يشرح المقال كيف شهدت الأنظمة السياسية لعقود عدة تطوراً عميقاً في أسس شرعية القادة العموميين. فلفترة طويلة، كانت هذه الشرعية تقوم أساساً على ثلاثة عناصر: الانتماء الحزبي، والتمثيلية الانتخابية، والقدرة على التعبئة السياسية. ورغم أن هذه الأبعاد تظل جوهرية في أي ديمقراطية تمثيلية، إلا أنها تبدو اليوم غير كافية للاستجابة لتطلعات مجتمع يواجه تحديات متزايدة التعقيد.
ويندرج المغرب بالكامل في هذه الدينامية، حيث عززت الإصلاحات المنطلقة منذ دستور 2011، وورش الجهوية المتقدمة، وتوجهات النموذج التنموي الجديد، الأهمية المرتبطة بالحكامة الجيدة والمساءلة والفعالية الإدارية وثقافة النتائج. فأصبحت الدولة مدعوة ليس فقط إلى وضع سياسات عمومية طموحة، بل أيضاً إلى إثبات قدرتها على تنفيذها بفعالية في بيئة تتسم بعدم اليقين والترابط المتزايد بين الفاعلين.
ويستند هذا التحول إلى أدبيات دولية حول الحكامة العمومية، بدءاً من ماكس فيبر الذي أشار إلى أن الدول الحديثة تقوم على إدارة عقلانية مؤسسة على الكفاءة واستمرارية العمل العام. غير أن الفعالية الإدارية لم تعد كافية وحدها، فالمواطنون يتوقعون اليوم نتائج ملموسة وقابلة للقياس ومحسوسة في حياتهم اليومية، وهو ما يصفه العديد من الباحثين بـ”الشرعية عبر الأداء”.
ويضيف المقال مساهمات فكرية مهمة، مثل مفهوم “خلق القيمة العمومية” لمارك إتش مور، الذي يرى أن دور المسؤول العمومي لا يقتصر على تدبير الموارد أو تطبيق الإجراءات، بل هو مدعو إلى خلق منافع جماعية يعترف بها المواطنون. كما يشير جيمس جي مارش إلى أن القرارات العمومية تُتخذ في بيئات تتسم بعدم اليقين والمعلومات الناقصة وتعدد الأطراف المعنية، مما يجعل القيادة تتمثل في تطوير قدرات التعلم والتكيف والتنسيق.
حالة فوزي لقجع: مسار مؤسساتي كاشف
يعتبر المقال أن مسار فوزي لقجع يستحق اهتماماً خاصاً لأنه يشكل موضوعاً للتحليل يسمح بمراقبة تحولات معايير الشرعية والمصداقية للمسؤولين العموميين في المغرب. ويتميز هذا المسار بجمعه بين مسؤوليات إدارية ومالية وتدبيرية ودبلوماسية، مما يجعله حالة دراسة مثيرة لتحليل التحولات المعاصرة للقيادة العمومية في المغرب.
شرعية مبنية داخل الإدارة العمومية
على عكس المسارات التقليدية القائمة على النضال الحزبي أو الالتزام الانتخابي، بُني مسار فوزي لقجع في صلب الإدارة العمومية. فقد أتاحت له تجربته في مجال المالية العمومية التطور في بيئة تستند فيها القرارات إلى التحليل والتحكيم وإتقان التوازنات الاقتصادية والميزانية. وقد قادته هذه التجربة إلى التدخل في قضايا تتجاوز بكثير التدبير المالي لتلامس تحديد الأولويات الوطنية واستدامة السياسات العمومية والتنسيق بين الإدارات.
وفي أنظمة الحكامة المعاصرة، تشكل الوظيفة العمومية العليا غالباً أحد الأماكن الرئيسية لتكوين القدرات الاستراتيجية للدولة، حيث يطور المسؤولون فيها كفاءات محددة: إتقان الإجراءات الإدارية، والقدرة على التحليل، والتفاوض بين الوزارات، والتحكيم الميزانياتي، وتدبير الملفات المعقدة.
الحكامة الميزانياتية كمدرسة للتوجيه الاستراتيجي
يُعد تدبير المالية العمومية أحد المجالات التي تكون فيها متطلبات الحكامة في أعلى مستوياتها، حيث تستلزم التسويات الميزانياتية التوفيق باستمرار بين أهداف قد تكون متضاربة: دعم النمو، وتمويل السياسات الاجتماعية، والحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلية، والاستجابة لتطلعات المواطنين. وتظهر الحكامة الميزانياتية كمدرسة حقيقية للقيادة الاستراتيجية، فهي تلزم صانعي القرار بالعمل في بيئة تتسم بعدم اليقين وندرة الموارد وضرورة إنتاج تسويات متوازنة.
الحكامة الرياضية: مختبر للتدبير المؤسساتي
البعد الثاني من مسار فوزي لقجع يكمن في الحكامة الرياضية، حيث تشكل رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مجالاً مثيراً للاهتمام لتحليل قدرات توجيه منظمة معقدة. فهذه المؤسسة تحشد موارد مالية مهمة، وتنسق شبكة من الفاعلين العموميين والخاص، وتدير بنيات تحتية، وتطور برامج تكوينية، وتقيم علاقات مع الجماعات الترابية، وتتفاعل مع هيئات قارية ودولية. ويمكن تحليل الحكامة الرياضية كمختبر حقيقي للتدبير الاستراتيجي، حيث تعكس النتائج الرياضية جودة التنظيم واستقرار التوجهات الاستراتيجية والقدرة على التخطيط وتماسك آليات الحكامة.
بعد دولي يوسع مجال القيادة
إلى جانب مسؤولياته الوطنية، أخذ مسار فوزي لقجع يندرج تدريجياً في بعد دولي، حيث عززت المهام التي مارسها في الهيئات الرياضية القارية والعالمية انكشافه على آليات التفاوض متعدد الأطراف وعمليات اتخاذ القرار الجماعي وقضايا التمثيل المؤسساتي. وفي الحالة المغربية، يكتسي هذا البعد أهمية خاصة في الوقت الذي تؤكد فيه المملكة موقعها على الساحتين الإفريقية والدولية.
تراكم موارد مؤسساتية
يكشف تحليل مسار فوزي لقجع عن تراكم تدريجي لعدة أشكال من الموارد المؤسساتية: مورد إداري (إتقان السياسات العمومية والآليات الميزانياتية)، ومورد تنظيمي (قيادة مؤسسات معقدة وتنسيق فاعلين متعددين)، ومورد علائقي (الشبكات الوطنية والدولية)، ومورد استراتيجي (إدراج القرارات في رؤية متوسطة وطويلة المدى)، ومورد رمزي (الرؤية العمومية المرتبطة بالمهام الممارسة والنتائج المحققة).
قراءة تستدعي الحذر
يشدد المقال على أن التحليل الاستراتيجي لمسار مؤسساتي لا يجب أن يقود إلى استنتاجات متسرعة بشأن المصير السياسي لفوزي لقجع. فالكفاءة في قيادة منظمات عمومية، مهما كانت مهمة، لا يتطابق مع الشرعية الديمقراطية. فالأنظمة السياسية تخضع لمنطق خاص تتدخل فيه الأحزاب والائتلافات والديناميات الانتخابية وتفضيلات المواطنين. وبالتالي، فإن أهمية دراسة حالة فوزي لقجع تكمن أقل في التنبؤ بتطور سياسي محتمل، وأكثر في إبراز تحول عام في الشخصيات المثمنة في قيادة العمل العام.
الدروس المستفادة للحكامة العمومية المغربية
يتجاوز تحليل مسار فوزي لقجع إطار مسار فردي، فهو يدعو إلى تفكير أوسع حول تحولات القيادة العمومية في المغرب والكفاءات المنتظرة الآن من المسؤولين المكلفين بقيادة التحولات الكبرى للدولة. وفي الوقت الذي تسرع فيه المملكة تنفيذ النموذج التنموي الجديد، وتستعد لتنظيم كأس العالم 2030، وتواصل الإصلاحات في مجالات الجهوية المتقدمة ورقمنة الإدارة وتحسين فعالية السياسات العمومية، تكتسي مسألة القيادة بعداً استراتيجياً.
تحول عميق في تطلعات القادة العموميين
تندرج التحولات الملاحظة في المغرب ضمن اتجاه دولي أوسع، حيث تواجه الحكامة العمومية اليوم مضاعفة المخاطر وتسارع التغيرات التكنولوجية وضغوطاً متزايدة على المالية العمومية وتطلعات مواطنين متزايدة الإلحاح. وفي هذه البيئة، تظل الصفات المرتبطة تقليدياً بالقيادة السياسية ضرورية، لكنها لم تعد كافية وحدها. وتميل القيادة المعاصرة إلى الاستناد إلى مزيج من عدة أبعاد متكاملة: رؤية استراتيجية، قدرة على قيادة إصلاحات معقدة، قدرة على تنسيق مؤسسات ذات مصالح متباينة، ثقافة الأداء والتقييم، وقدرة على بناء الثقة عبر الشفافية والمسؤولية.
القيادة الهجينة: واقع مؤسساتي جديد
أحد الدروس الرئيسية لحالة لقجع هو على الأرجح ظهور ما يمكن تسميته “القيادة الهجينة”. فبجمع هذا النوع من القيادة بين عدة سجلات من الخبرة كانت في السابق منعزلة نسبياً: الإدارة العمومية، والتدبير الاستراتيجي، والعلاقات الدولية، وقيادة المشاريع، والتواصل المؤسساتي. وهذا النهج يستجيب مباشرة للتعقيد المتزايد للسياسات العمومية. وفي السياق المغربي، تحشد المشاريع الوطنية الكبرى اليوم في آن واحد عدة وزارات والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة والشركاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني، ويعتمد نجاح هذه المشاريع أقل على السلطة الهرمية وأكثر على القدرة على بناء أنماط تعاون دائم بين فاعلين يسعون لأهداف مختلفة أحياناً.
الخبرة المؤسساتية كرأس مال استراتيجي
يكشف المسار الذي تم تحليله أيضاً عن الأهمية المتزايدة للخبرة المؤسساتية كمورد استراتيجي. فقيادة السياسات العمومية وتدبير المنظمات المعقدة أو المشاركة في مفاوضات دولية تنتج رأس مال من الخبرة لا يمكن اختزاله في مجرد تراكم المهام، فهي تطور أنماطاً من التفكير وقدرات تحكيمية ومعرفة عميقة بآليات القرار العمومي. وتتمتع هذه الخبرة بعدة مزايا: تعزز فهماً أفضل للتفاعلات بين مكونات الدولة المختلفة، وتطور ثقافة تدبير القيود، وتعزز القدرة على التكيف في مواجهة الأزمات.
حدود المقاربة الإدارية البحتة
غير أن تطور القيادة العمومية لا يمكن أن يقود إلى الخلط بين الحكامة المؤسساتية والشرعية الديمقراطية. فالفعالية الإدارية وإتقان السياسات العمومية أو نجاح المشاريع الكبرى تشكل مؤشرات أداء مهمة، لكنها لا تحل محل النقاش السياسي ولا تمثيل المواطنين ولا الآليات الانتخابية التي تقوم عليها الديمقراطية. فأحد المخاطر الرئيسية للمقاربات الإدارية البحتة هو اختزال القرار العمومي في منطق النتائج القابلة للقياس، فالحكم لا يقتصر على إنتاج أداء إداري جيد، بل يعني أيضاً التحكيم بين مصالح متباينة وبناء تسويات وتدبير تطلعات متضاربة وتحمل خيارات تتعلق غالباً بتفضيلات جماعية أكثر منها بحلول تقنية.
ثلاثة سيناريوهات لتطور القيادة العمومية في المغرب
انطلاقاً من الاتجاهات الملاحظة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات للسنوات القادمة:
السيناريو الأول: تعزيز القيادة المؤسساتية. وفي هذه الفرضية، ستواصل الشخصيات التي تتمتع بخبرة إدارية واستراتيجية صلبة احتلال مكانة متزايدة في قيادة المشاريع الوطنية الكبرى.
السيناريو الثاني: تهجين متزايد بين الخبرة المؤسساتية والمسؤولية السياسية. فقد يُدعى المسؤولون المنحدرون من الإدارة العليا للعب دور أكثر وضوحاً في المجال السياسي، بشرط أن ينجحوا في ربط خبرتهم بمتطلبات الشرعية الديمقراطية.
السيناريو الثالث: تغيير معايير انتقاء النخب العمومية. ففي هذا المنظور، ستعطي المؤسسات أهمية متزايدة للقدرة الاستراتيجية وقيادة المشاريع المعقدة والتعاون بين المؤسسات وإتقان القضايا الدولية وخلق القيمة العمومية.
نحو ثقافة جديدة للعمل العام
وراء حالة فوزي لقجع، يبرز هذا التحليل تطوراً أعمق للدولة المغربية. فالتحديات التي تواجهها المملكة – القدرة التنافسية الاقتصادية، والتحول الرقمي، والصمود الترابي، والسيادة الاستراتيجية، وتنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وتعزيز جاذبية البلاد – تتطلب أشكالاً من القيادة قادرة على تجاوز المقاربة القطاعية لتعبئة جميع الموارد المؤسساتية. وستكون القيادة العمومية المستقبلية أقل تحديداً بالسلطة الرسمية وأكثر بالقدرة على توحيد الفاعلين وقيادة تحولات مستدامة وتحقيق نتائج قابلة للقياس في خدمة المصلحة العامة.
خاتمة
يؤدي التحليل الذي طورته هذه المقالة إلى خلاصة أساسية: الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في دراسة مسار شخصية عمومية، بل في فهم التحولات التي تؤثر اليوم على أنماط الحكامة ومعايير ممارسة القيادة العمومية في المغرب. فمن خلال حالة فوزي لقجع، يظهر تطور أعمق: تطور دولة تواجه تحديات متزايدة التعقيد، تتطلب مسؤولين قادرين على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والقدرة على التنسيق والفعالية التشغيلية وحس المصلحة العامة.
ويندرج هذا التطور في دينامية دولية تحولت فيها تطلعات القادة العموميين بعمق. ففي بيئة تتسم بالعولمة والتحول الرقمي وضرورات الاستدامة الميزانياتية والتحولات الجيوسياسية وتسارع التغيرات المجتمعية، لم يعد من الممكن تقييم شرعية المسؤول فقط من خلال منصبه المؤسساتي أو انتمائه السياسي، بل تستند أيضاً إلى قدرته على تحقيق النتائج وقيادة إصلاحات معقدة وتعبئة فاعلين متعددين وتعزيز الثقة في المؤسسات.
والمغرب ليس استثناءً من هذا التطور، فالمشاريع الكبرى المنطلقة بتوجيه من صاحب الجلالة الملك محمد السادس – سواء تعلق الأمر بالجهوية المتقدمة، أو تعميم الحماية الاجتماعية، أو تحديث الإدارة، أو التحول الرقمي، أو التحضير لكأس العالم 2030، أو تنفيذ النموذج التنموي الجديد – تتطلب أشكالاً من القيادة قادرة على تجاوز المقاربات القطاعية التقليدية.
وفي النهاية، تظهر حالة فوزي لقجع كاستثناء وككاشف لتطور أوسع لمعايير مصداقية القادة العموميين. فهو يشهد على الأهمية المتزايدة المولاة للحكامة الاستراتيجية والقدرة على التنفيذ وتوجيه المنظمات المعقدة والإشعاع المؤسساتي. ومع اقتراب مرحلة سياسية جديدة، قد لا يكون السؤال الأساسي هو معرفة من سيكون القادة المستقبليون للمملكة، بل أي الكفاءات وأي أشكال الحكامة وأي قدرات تحويلية ستعتبر الآن ضرورية لقيادة المغرب في بيئة وطنية ودولية متزايدة التعقيد. وربما عند هذا التقاطع بين الشرعية الديمقراطية والفعالية المؤسساتية والرؤية الاستراتيجية، سيتبدد نموذج القيادة العمومية المغربية للعقد القادم.



