الرئيسيةرأييريدون جيلا يصنع المستقبل بمعلم عاجز عن صناعة حياته

يريدون جيلا يصنع المستقبل بمعلم عاجز عن صناعة حياته

زكريا نمر
في المجتمعات التي تتحدث كثيرا عن النهضة والتقدم وبناء الأجيال، توجد مفارقة لا تحظى بما تستحقه من نقاش: نريد من المعلم أن يصنع عقولا قادرة على المنافسة والإبداع، بينما لا يستطيع بعض المعلمين تأمين حياة مستقرة لأنفسهم وأسرهم. نطالبه بأن يزرع الطموح في نفوس الطلاب، وهو لا يعرف كيف سيوفر احتياجات منزله في نهاية الشهر. نريده أن يكون قدوة في الاجتهاد والانضباط، لكننا لا نوفر له الحد الأدنى من الاستقرار الذي يساعده على أداء عمله.
هذه ليست مشكلة رواتب فحسب، بل أزمة في فهم قيمة التعليم ومكانة الإنسان الذي يتولى مسؤوليته.اعتدنا أن نبحث عن أسباب تراجع التعليم في المناهج القديمة، ونقص الكتب، واكتظاظ الفصول، وضعف البنية التحتية. وكلها أسباب مهمة، لكننا نادرا ما نضع المعلم في مركز النقاش. نتحدث عن الطالب الذي لم يحقق نتائج جيدة، وعن المدرسة التي لم تستطع توفير الإمكانات، لكننا لا نسأل بما يكفي عن ظروف الشخص الذي يقضي ساعات طويلة أمام الطلاب، ويحاول أن يؤدي عملا يتطلب المعرفة والصبر والتركيز والاستعداد النفسي.المعلم ليس شخصا يعيش داخل الفصل الدراسي وينتهي وجوده بانتهاء الحصة. له أسرة والتزامات اجتماعية واقتصادية، ويواجه الأزمات نفسها التي تواجه بقية أفراد المجتمع. وعندما يتحول راتبه إلى مبلغ لا يكفي الاحتياجات الأساسية، فإن الضغط المعيشي يصبح جزءا من واقعه المهني. وقد يضطر إلى البحث عن عمل إضافي، أو التنقل بين أكثر من مؤسسة تعليمية، أو استهلاك وقته في تدبير شؤونه اليومية بدلا من القراءة والتطوير والاستعداد للدروس.كيف نطلب منه أن يكون باحثا ومطورا لأساليب التعليم، بينما لا نمنحه الظروف التي تساعده على ذلك؟
في أجزاء واسعة من العالم العربي وإفريقيا، تتكرر صور مختلفة من هذه الأزمة. رواتب محدودة في بعض المؤسسات، وتأخر مستحقات في مؤسسات أخرى، ومدارس تفتقر إلى التجهيزات، ومعلمون يعملون في بيئات لا تساعدهم على تقديم تعليم جيد. تختلف التفاصيل من دولة إلى أخرى، لكن السؤال المشترك يظل قائما: لماذا تتحدث الحكومات عن التعليم باعتباره أساس التنمية، ثم لا تمنحه الأولوية التي يتطلبها هذا الخطاب؟.تتعامل بعض الحكومات مع التعليم باعتباره خدمة ينبغي تقديمها بأقل تكلفة ممكنة، بدلا من النظر إليه باعتباره استثمارا طويل الأمد في الإنسان.
لهذا تظهر خطط الإصلاح على الورق بصورة جميلة، وتقام المؤتمرات، وتصدر التصريحات عن تطوير المناهج والتحول الرقمي، بينما تبقى مشكلات المعلمين والمدارس قائمة. يصبح الإصلاح في كثير من الأحيان مشروعا إداريا لتقديم التقارير، لا عملية حقيقية لتغيير واقع المدرسة.والمشكلة أن المجتمع نفسه يشارك أحيانا في هذا التناقض. فهو يريد من أبنائه أن يصبحوا أطباء ومهندسين وقضاة وأساتذة جامعات، لكنه لا يمنح مهنة التعليم المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي تستحقها. ينظر إلى المعلم باعتباره شخصا اختار مهنة محدودة الدخل، ثم يتوقع منه أن يتحمل مسؤولية تكوين أجيال كاملة. كأن صناعة العقول واجب أخلاقي لا يحتاج إلى مقابل عادل أو تقدير مؤسسي.لكن لا ينبغي أن نقع في خطأ مقابل، فنحول الظروف الاقتصادية إلى مبرر لكل ضعف مهني. فالمعلم ليس معصوما من النقد، وهناك من لا يقرأ ولا يطور أدواته، ومن يكتفي بتكرار المعلومات، ومن يستخدم سلطته داخل الفصل لقمع أسئلة الطلاب، ومن يتعامل مع التعليم باعتباره وظيفة روتينية لا تتطلب سوى الحضور والانصراف.
الظروف المادية الجيدة لا تصنع معلما ناجحا وحدها، كما أن الفقر لا يلغي قدرة بعض المعلمين على الإبداع والتأثير. لكن الاعتماد على تفاني الأفراد وتضحياتهم لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة تعليمية مسؤولة. لا يجوز أن تبني الدولة نظامها التعليمي على افتراض أن المعلم سيضحي دائما براحته واستقراره من أجل الطلاب.من حق المجتمع أن يطالب المعلم بالكفاءة، ومن حق الطالب أن يحصل على تعليم جيد، لكن من حق المعلم أيضا أن يعمل في ظروف تحفظ كرامته وتتيح له تطوير قدراته. والمسؤولية هنا متبادلة، وليست عبئا يوضع على طرف واحد. هناك أزمة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بطبيعة التعليم الذي نقدمه للأجيال. فما زالت مدارس كثيرة تعتمد على الحفظ والتلقين، وتختزل النجاح في الدرجات والامتحانات، حتى أصبح الطالب يتعلم كيف يستعيد الإجابة التي يريدها المعلم بدلا من أن يتعلم كيف يفكر. يتحول الفصل الدراسي إلى مساحة لنقل المعلومات، وتصبح الأسئلة التي تفتح باب النقاش عبئا على بعض المعلمين والإدارات.والنتيجة أن بعض الطلاب يحصلون على شهادات، لكنهم لا يمتلكون المهارات الضرورية للتعامل مع الحياة والعمل والمجتمع. قد يعرف الطالب تعريفات كثيرة، لكنه لا يستطيع تحليل مشكلة اجتماعية أو مناقشة فكرة سياسية أو التمييز بين المعلومة والرأي. وقد يقضي سنوات في المدرسة من دون أن يكتسب عادة القراءة أو القدرة على البحث المستقل.
هذه الأزمة لا يمكن تحميلها للمعلم وحده، لأنها ترتبط بمناهج وسياسات وأساليب تقييم وثقافة مؤسسية تشجع أحيانا على النجاح في الامتحان أكثر مما تشجع على اكتساب المعرفة.وفي المجتمعات العربية والإفريقية، يضاف إلى ذلك تفاوت فرص التعليم بين أبناء الفئات الاجتماعية المختلفة. فالمدارس الخاصة التي تستطيع الأسر الميسورة تحمل تكاليفها توفر في بعض الحالات إمكانات أفضل، بينما تواجه مدارس حكومية كثيرة نقصا في التجهيزات والموارد والكوادر. وهكذا يصبح مستقبل الطفل مرتبطا، إلى حد كبير، بالظروف الاقتصادية لعائلته.عندما تتحول جودة التعليم إلى امتياز طبقي، تفقد المدرسة جزءا من وظيفتها الاجتماعية.
لقد كان يفترض أن تمنح الطفل القادم من أسرة فقيرة فرصة لتحسين حياته، وأن تفتح أمامه طريقا لا تحدده ثروة والديه أو مكانتهما الاجتماعية. لكن ضعف التعليم العام واتساع الفجوة بين المدارس يجعلان هذه الوظيفة أكثر صعوبة. إن المجتمع الذي لا يضمن تعليما جيدا لأطفاله لا يواجه مشكلة تربوية فقط، بل يواجه مشكلة في العدالة وتكافؤ الفرص. فالأطفال الذين يحصلون على تعليم ضعيف يدخلون سوق العمل بقدرات محدودة، وتصبح فرصهم في تحسين أوضاعهم أقل، وتنتقل آثار الفقر من جيل إلى آخر. وهكذا لا يعود الفقر مجرد مشكلة دخل، بل يصبح مشكلة في توزيع المعرفة والفرص.ولعل أكثر ما يكشف سوء فهمنا للتعليم هو الاعتقاد بأن شراء التكنولوجيا أو استيراد المناهج الحديثة يكفي لإحداث التغيير. يمكن للدولة أن تشتري أجهزة الحاسوب، وتجهز الفصول بالشاشات، وتعلن الانتقال إلى التعليم الرقمي، لكنها لن تحقق تحولا حقيقيا إذا لم يكن هناك معلم يعرف كيف يستخدم هذه الأدوات، وإذا لم تتوفر له فرص التدريب والاتصال بالإنترنت والبيئة المناسبة للعمل.
التكنولوجيا لا تعوض غياب الكفاءة التربوية، والكتاب لا يصنع قارئا بمجرد وجوده على الطاولة. التعليم في جوهره علاقة بين الإنسان والمعرفة، والمعلم هو أحد أهم أطراف هذه العلاقة.ولهذا فإن إصلاح التعليم يحتاج إلى مراجعة جادة لطريقة إعداد المعلمين وتوظيفهم وتقييمهم. لا يكفي الحصول على شهادة تربوية ثم البقاء في المهنة سنوات من دون تطوير. ينبغي أن يكون التدريب المستمر جزءا من الحياة المهنية، وأن تتوفر برامج حقيقية للتأهيل، وأن ترتبط الترقيات بالكفاءة والخبرة، وأن تكون هناك مساءلة عادلة لمن يهمل واجباته. يجب أن يحصل المعلم على أجر عادل ومنتظم، وتأمين اجتماعي وصحي، وبيئة عمل مناسبة، وفرص للقراءة والبحث والتدريب. كما ينبغي أن تحظى المدرسة باستقلال مهني وإداري يساعدها على أداء دورها بعيدا عن المحسوبية والتدخلات التي تحول المؤسسات التعليمية إلى امتداد للصراعات والمصالح الضيقة.
التعليم ليس قضية المعلم وحده، ولا مسؤولية وزارة التعليم وحدها، بل هو انعكاس لطريقة إدارة المجتمع لموارده وأولوياته. فالدولة التي تنفق على مظاهر السلطة أكثر مما تستثمر في بناء الإنسان تحتاج إلى مراجعة أولوياتها. والمجتمع الذي يحتفي بالشهادات أكثر من احتفائه بالمعرفة يحتاج إلى مراجعة ثقافته. والمؤسسة التي تكافئ الولاء الشخصي على حساب الكفاءة تضعف قدرتها على تكوين أجيال مستقلة.لا يمكن بناء نهضة اقتصادية من دون تعليم جيد، ولا يمكن تطوير المؤسسات من دون كفاءات، ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان بينما يتخرج الطلاب من مدارس لم تعلمهم كيف يناقشون الأفكار ويحترمون الاختلاف ويستخدمون عقولهم بصورة مستقلة.
قد ينجح معلم فقير في تغيير حياة مئات الطلاب، وقد يفشل معلم مرتفع الدخل في ترك أثر حقيقي. لكن السؤال ليس عن قدرة الأفراد على مقاومة ظروفهم، بل عن حقهم في ألا يضطروا إلى مقاومة هذه الظروف طوال حياتهم حتى يؤدوا واجباتهم. إن مطالبة المعلم بصناعة جيل ناجح من دون ضمان حياة كريمة له تشبه مطالبة الفلاح بإنتاج محصول وفير بعد حرمانه من الأرض والماء والبذور، ثم محاسبته وحده عندما يأتي الحصاد ضعيفا. لا نحتاج إلى مزيد من الخطب التي تمجد المعلم في المناسبات، بل إلى سياسات تعترف بقيمة عمله في الحياة اليومية. لا نحتاج إلى شعارات عن مستقبل الأجيال، بل إلى ميزانيات عادلة ومدارس مؤهلة ومعلمين يمتلكون المعرفة والاستقرار والقدرة على التطور. فالمعلم الذي لا يجد من المؤسسة ما يحفظ كرامته، لا ينبغي أن يتحول إلى كبش فداء لفشلها. والطالب الذي لم يحصل على تعليم جيد لا يجوز أن يتحمل وحده نتائج نظام لم يوفر له شروط التعلم.يريدون جيلا يصنع المستقبل، لكنهم لا يريدون أن يستثمروا في الإنسان الذي يصنع عقول هذا الجيل. وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تبدأ منها أي مناقشة جادة لأزمة التعليم في العالم العربي وإفريقيا.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات